Thursday, November 10, 2011

الحب من أول نظرة


وصل الفوج إلى الفندق، وقضى الجميع بعض الوقت في وضع أمتعتهم في الغرف المخصصة لهم. اتفق مع زوجته على أن يتقابلا بعد حوالي ساعة لكي يذهبا سويا إلى المسجد الحرام للمرة الأولى...
كان موقع فندقهما إلى الشرق من المسجد الحرام، وكان يفصل بين الفندق وبين المسجد الحرام نفق طوله حوالي كيلو متر وربع. تقابلا سويا – زوجته وهو – خارج الغرفتين المتجاورتين اللتين يقيمان بهما مع باقي الزملاء والزميلات. نزلا سويا واستقلا الأوتوبيس الذي سيقلهما إلى الحرم.
المنظر الغريب الآن – والذي سيعتاده بعد أيام قليلة – هو تعدد الأجناس في كل مكان.. في الشارع.. في الأوتوبيس.. وبالطبع في الحرم.

وصل الأوتوبيس بعد دقائق قليلة إلى الموقف الذي يقع في نهاية النفق. ترجلا وسارا مع السائرين نحو المسجد الحرام.
الطريق من موقف الأوتوبيس إلى المسجد الحرام يمر بجوار أحد الجبال المحيطة بالحرم. بعد أنا مشيا عدة أمتار بجانب الجبل، فوجئا بحائط شاهق الارتفاع يواجههما، وأمامه ساحة كبيرة رخامية الأرضية وبها خطوط غامقة مستديرة قليلا توضح اتجاه القبلة. يا إلهي! ما هذه الرهبة التي يشعر بها؟ يا له من إحساس بالضآلة أمام هذا المبنى شاهق الارتفاع. لم يكن يتوقع أن يكون الحائط بهذا الارتفاع الكبير.

طلبت منه زوجته أن ينتظرها قليلا لتتوضأ. مشيا إلى مكان قريب من نهاية الحائط الكبير إلى أن وجدا مكان الوضوء المخصص للسيدات.. انتظرها بالخارج إلى أن تنتهي من الوضوء.
أثناء انتظاره انشغل بمراقبة الناس الآتين من كل فج عميق.. إحساس يلازمه الآن وسوف يستمر معه في عدة مواقف أثناء رحلة العمر هذه... إحساس عدم التصديق... هل هو بالفعل في هذه الأماكن ووسط هذه الأحداث، أم أنه يحلم حلما جميلا لا يود الاستيقاظ منه؟
بعد دقائق عادت زوجته من مكان الوضوء فتوجها سويا نحو الباب الموجود في أقصى يمين الحائط الكبير...

يخفق قلبه الآن بشدة.. حالة من التأهب تسيطر عليه.. كان قد علم أن له دعوة مستجابة عند رؤية الكعبة للمرة الأولى.. كان يراجع في سره ما يريد أن يدعو به.. وكلما اقتربا من الباب كلما زاد خفقان قلبه.. خليط من المشاعر انتاب كيانه كله... ترقب.. امتنان.. إحساس بالضآلة.. استحضار للذنوب... طمع في رحمة الله...

بعد دقيقة تقريبا وصلا إلى الباب.. خلعا نعليهما وحملاهما ودخلا...
كانا يتوقعان أن يريا الكعبة.. إلا أنهما لم يرياها..
وجدا نفسيهما فوق جسر ضيق يعبر فوق الكثير من الحجاج الذين يلبسون ملابس الإحرام ويمشون في اتجاه مستقيم يمر من تحت هذا الجسر الذي يقفان عليه.. أدرك الآن أنهما فوق المسعى بين الصفا والمروة.. فقد دخلا من باب المروة الذي يقع في نهاية المسعى... كان الحائط الذي رأياه إذن لحظة وصولهما هو حائط المسعى، ولذلك كان مستقيما وطويلا..
بعدما تيقن أن هذا هو المسعى وأن هؤلاء هم الساعون بين الصفا والمروة ازدادت رهبته... ها هما – زوجته وهو – بالفعل وسط الحجيج الذين يؤدون جزءا من المناسك إذ يسعون سعي عمرة القدوم.. عدد الناس الكبير، وانتظامهم في السعي، ومكان مراقبته لهم من الجسر العلوي، كل ذلك أضاف مزيدا من الرهبة إلى الموقف..
بعد لحظات من الرهبة ابتسم ابتسامة رضا وحمد الله على وجوده في هذا المكان وسط هؤلاء الحجيج، وتذكر كلمات الحاج عرفة في الأوتوبيس من جدة إلى مكة حينما أخبرهم أن الحج اصطفاء من الله لعباده.. فالله سبحانه هو من اختار الحجيج ليأتوا لأداء الشعائر.. زاده إحساس الاصطفاء هذا رضا ممزوجا بالخجل من الله.

بعد أن عبرا سويا الجسر الصغير فوق المسعى وصلا إلى باب آخر في نهايته أوصلهما مرة أخرى إلى الخارج، ثم وجدا بابا إلى اليسار مكتوبا عليه (باب الفتح) وتعلوه مئذنتان كبيرتان...
لقد حانت اللحظة إذن... الآن تيقن من أنه لا يفصله عن رؤية الكعبة – لأول مرة – سوى هذا الباب...
صعدا عددا من السلالم ليدخلا من الباب... كان يتوقع أن يجد الكعبة كاملة أمام عينيه بمجرد أن يدخل من الباب، إلا أنه لم يرها بعد.
كان عدد من عُمَّار المسجد الحرام جالسين على أرض المسجد الحرام تحت الكثير من الأعمدة.. تلفت يمينا ويسارا... مد بصره بين الأعمدة، ثم تلفت يمينا ويسارا مرة أخرى قبل أن يدرك أنه ربما قد رأى ما يبحث عنه بصره وقلبه.. مد بصره للأمام مرة أخرى فوجدها...
يا إله العالمين!! وجد لونا أسود زاهيا ومزخرفا بنقوش ذهبية وفضية.. أهذه هي؟! نعم.. إنها هي..
استوعب بعد لحظات أنه يرى – ولأول مرة في عمره – جزءا من الكعبة المشرفة... انتابته عاصفة من المشاعر... تلعثمت شفتاه وهو يحاول أن يتمتم بالأدعية الني كان قد انتوى أن يدعو بها عند رؤية الكعبة.. سالت دموعة بلا أي قدرة له على التحكم فيها.. صراحة لم يكن يريد أن يتحكم هو فيها.. صفاء لا نهائي اجتاح كل كيانه.. تسمر في مكانه للحظات، ثم عاود المسير تجاه صحن المسجد المكشوف... تجاه الكعبة..
لم يرد أن يخبر زوجته بما رآه.. فكر أنه قد يكون إحساسها أعمق إذا رأت الكعبة فجأة كما رآها هو فجأة.. وعندما أخرجت من حقيبتها كتيبا يحتوي على بعض الأدعية وفتحته وبدأت تقرأ منه عرف أنها رأت الكعبة... نظر في وهجهها في هذه اللحظة فوجده صافيا ووجد الدموع تترقرق في عينيها... أخذ كل منهما يدعو بما فتح الله عليه وهما سائران متوجهان نحو الكعبة...

لم يكن المسجد مزدحما في هذا الوقت... كان متبقيا حوالي ساعتين قبل أن يحين موعد صلاة الظهر.
لم يكن قد رأى الكعبة كاملة في أثناء مشيه نحو صحن المسجد. كلما كانا يقتربان من الصحن كلما كان الجزء الظاهر لهما من الكعبة يكبر، إلى أن وصلا للسلالم المؤدية للصحن... حينها رأى الكعبة كاملة... يا لعظمتها وبهائها.
رغم أنه رأى الكعبة مرات عديدة في الصور وفي التليفزيون من قبل، إلا أنه لم يتوقع أن تكون بهذا الحجم المهول، ولا توقع أن يغمره هذا الإحساس الجميل حين يراها رأي العين. منذ رآها وقع حبها في قلبه واستقر فيه... سمع كثيرا عن هذه المشاعر ممن سبقوه، لكنها المرة الأولى التي يشعر بنفسه بهذه المشاعر الجميلة الجديدة.. ظل حب الكعبة وشوقه لها ساكنا قلبه حتى هذه اللحظة، ويبدو أنه سيظل مغرما بها وملهوفا لزيارتها ما تبقي له من عمر في هذه الدنيا.

بدخولهما من باب الفتح كان عليهما أن يدورا نحو ثلثي شوط حول الكعبة ليبدءا أول أشواط طوافهما – طواف القدوم – من عند امتداد الحجر الأسود.
سارت زوجته أمامه ومد هو ذراعيه ليحوطها. استعانا بالله وسارا مع الطائفين إلى أن وصلا إلى نقطة البداية. ورغم أن الجزء المسقوف من المسجد لم يكن مزدحما في هذا الوقت، إلا أن الصحن المكشوف حول الكعبة كان مزدحما للغاية.. فكرا لوهلة أن يطوفا من أحد الدورين العلويين إلا أنهما قررا أن يظلا في الصحن ويأنسا بالقرب من الكعبة.

فتحت زوجته كتاب الدعاء وأعطته له. كانا قد اتفقا على أن يدعو هو جهرا بحيث تسمعه هي وتؤمن على دعائه بصوت منخفض. بدءا الطواف من عند امتداد الحجر الأسود.. كان هو يقرأ الأدعية من الكتاب وهي تؤمن، وكان بين الحين والآخر ينظر إلى الكعبة عن يسارهما ويختنق صوته من جلال الموقف.
حين بدءا الشوط الأول من الطواف كانا بعيدين عن الكعبة.. كانا في أقصى نقطة في محيط الصحن. إلا أن الله شاء لهما أن يقتربا من الكعبة كثيرا.. ففي أثناء الشوطين الأول والثاني كان يرى فجأة فجوة خالية من الطائفين إلى يسارهما – في اتجاه الكعبة – فيطلب من زوجته أن يدخلا هذه الفجوة، واستمر ذلك إلى أن وصلا بعد بداية الشوط الثالث إلى حائط الكعبة بعد باب الكعبة بقليل... سبحان الله وبحمده... كانا منذ قليل بعيدين عنها، وها هما الآن يلمسان جدار الكعبة، ثم جدار حجر إسماعيل. كان ضغط أجساد الحجيج هائلا بالقرب من الكعبة فكان يبذل مجهودا كبيرا لحماية زوجته وحماية نفسه من أن يُدهسا في الحائط.
حين اقتربا من الركن اليماني – وهو الركن الذي يسبق ركن الحجر الأسود مباشرة – بدأ الزحام يزداد، إلا أنهما بفضل الله وجدا منفذا.. لمست زوجته الركن اليماني أولا ثم لمسه هو. عندما انتهيا من لمس الركن اليماني، كان الضلع المتبقي من الكعبة – وهو الضلع الذي ينتهي بالحجر الأسود – مزدحما جدا بمن يريدون لمس الحجر الأسود. آثرا هما السلامة وابتعدا قليل عن الكعبة، إلا أنهما تمكنا عدة مرات من الاقتراب من الكعبة في الأشواط الباقية، إلا في هذا الضلع الواصل بين الركن اليماني والحجر الأسود.

كانت شمس الظهيرة ترتفع في وسط السماء مسرعة أثناء طوافهما.. كانا يشعران بالعطش الشديد.. بعد انتهاء الشوط السابع من الطواف ذهبا ليشربا من ماء زمزم سويا... تلك هي المرة الأولى التي يشرب فيها ماء زمزم في الحرم.. شربه في مصر قبل ذلك عدة مرات عندما كان يذهب لتهنئة أقاربه وأصدقائه العائدين من الأراضي المقدسة، كما شربه مساء أمس في الأوتوبيس من جدة إلى مكة، إلا أن طعم ماء زمزم مختلف هنا في الحرم.. مختلف قدر اختلاف شعوره الجديد جدا هنا في الحرم الشريف وأمام الكعبة المشرفة. شرب كثيرا.. روى كل جزء في جسمه، ثم صليا ركعتين في مواجهة مقام إبراهيم مستنين بالنبي صلى الله عليه وسلم.

كانا متعبين للغاية بعد الطواف. فهما لم يناما الليلة الماضية التي قضياها في الطيارة وفي المطار وفي الطريق إلى مكة.. كما أن الرحلة شاقة... فكرا أن يستريحا قليلا قبل أن يسعيا بين الصفا والمروة، إلا أن كلا منهما شجع الآخر أن يكملا مناسك العمرة ثم يذهبا للراحة في الفندق.
مشيا – ببطء – إلى بداية المسعى عند جبل الصفا ثم سعيا مع الساعين.. أثناء السعي كان هو يقرأ الأدعية من الكتيب وكانت هي تؤمن وراءه، وإن كان صوتهما قد خفت كثيرا نتيجة التعب الذي ألم بهما.
المسعى مسقوف في هذا الدور، لذلك كان السعي في الظل أيسر من الطواف في الشمس.
سعيا ثلاثة أشواط من الصفا إلى المروة إلى الصفا ثم إلى المروة، وفي بداية الشوط الرابع حان وقت صلاة الظهر، فكانت راحة إجبارية كانا في أمسِّ الحاجة إليها.

حين حان وقت الأذان انتابته مرة أخرى حالة عدم التصديق... أهذا هو أذان الحرم الذي طالما سمعه في الراديو وفي التليفزيون؟ يا لعظمة الله ولجليل نعمه... صليا الظهر وسط المصلين في مكانهما في المسعى، ثم استأنفا الأشواط الباقية لهما من السعي، إلى أن انتهيا من الشوط السابع عند جبل المروة. خرجا من باب المروة – الذي دخلا منه أول مرة – لكي يذهب هو إلى أحد الحلاقين خلف المروة ليقصر شعره تمهيدا للتحلل من إحرامه بعد انتهاء مناسك عمرة التمتع..
سارا منهكين إلى الحلاق.. قص شعره ثم مشيا سويا إلى موقف الأوتوبيسات بصعوبة...
وأخيرا... وصلا إلى الفندق.

اتفقا على النوم لبعض الوقت ثم اللقاء لتناول الغداء سويا في مطعم الفندق.
ذهب إلى غرفته.. وجد اثنين من رفاق الغرفة الأربعة نائمين بعد أن عادوا قبله من العمرة، وواحدا ما زال مستيقظا، والرابع لم يعد بعد من الحرم.

اغتسل سريعا ولبس ثيابه المخيطة – لأول مرة منذ أحرم في منزله في مصر – وخلد إلى نوم عميق، بنفس تملؤها مشاعر الرضا والامتنان والاطمئنان...

3 comments:

  1. ياااااااااااااااااااه ..يا اخى انا جسمى قشعر وانا باقرا كلامك ده .... كانى انا اللى شوفت الكعبة ... ربنا يكتبها لنا جميعا ان شاء الله

    ReplyDelete
  2. آمين يا رب... ربنا يكتبهالك ويسعدك بيها ويشرح صدرك يا فيفا
    انت وكل حبايبك يا رب

    ReplyDelete