بعد اللحظة
الفاصلة كان عليه الانتهاء من تجهيز الأوراق الخاصة به وبرفيقة رحلته. انتهت هذه
الإجراءات في وقتها الطبيعي ثم انتظر الجميع وصول جوازات السفر تحمل تأشيرة الدخول
للملكة العربية السعودية.
في هذه
الأثناء قام هو وزوجته بتدبير احتياجات السفر من ملابس وأدوية وكتب لشرح مناسك
الحج، وغير ذلك مما يحتاجانه أثناء رحلة العمر.
وأخيرا وصلت
جوازات السفر قبل الموعد المحدد للسفر بأيام قليلة تحمل التأشيرة ومعها تذاكر
الطيران.
في يوم
السفر اغتسل غسل الإحرام ونوى الإحرام بالعمرة متمتعا إلى الحج، وارتدى ملابس الإحرام
لأول مرة في حياته.
إحساس جديد
انتابه عندما ارتدى ملابس الإحرام. شعور بالبرد أول الأمر... استغراب لنوع الملابس
ولعدم ارتدائه ملابس داخلية... ثم إحساس بأنه بالفعل مسافر للحج وليس في حلم غير
واقعي... لبس الإحرام هو الدليل الملموس على بدء رحلة العمر.
عندما نزل
إلى الشارع مرتديا ملابس الإحرام عاوده الشعور بالاستغراب، إلا أنه اعتاد نفسه في
هذه الملابس بعد وقت قليل.
سافر هو من
قبل كثيرا في مهمات عمل إلى دول عربية وأوروبية وآسيوية، إلا أن السفر هذه المرة
له طابع خاص جدا. يظهر ذلك في كل شيء.. بدءا من صالة السفر المخصصة للحجاج. حجاج
فقط. ليس هناك مسافرون آخرون. وأغلب الموجودين يرتدون بالفعل ملابس الإحرام. جو
جميل مختلف عن كل ما مر به من أوقات في المطارات.
ابتسم عندما
ناداه أحد الموظفين قائلا: "يا حاج". دائما ما كان ينادى عليه بلقب
"أستاذ" أو "باشمهندس" عندما يقرأ الموظف بيانات الوظيفة في
جواز السفر، إلا أنهم الآن ينادونه بهذا اللقب الجديد الأثير... "يا
حاج"
تبعا
للتعليمات، كان هو وزوجته في المطار قبل موعد السفر بثلاثة ساعات، وهي فترة طويلة
بالطبع، إلا أنها مرت سريعة نسبيا.
في صالة
السفر تعرف على مشرف مجموعته – الحاج عرفة، مع ما في الاسم من تطابق جميل مع
الرحلة ومع منسك الوقوف بعرفة.
عندما ظهر
اسمه في نتيجة القرعة هنأه زملاؤه الذين سبق لهم الحج من جهة عمله وبشروه بأنه
محظوظ إذ سيحج بإشراف الحاج عرفة. باختصار، الحاج عرفة محترف ولكنه لم يتخلص من
روح الهواة. كانت هذه الرحلة هي المرة الثامنة عشرة على التوالي التي يشرف فيها
الحاج عرفة على مجموعة من الحجاج. يعمل مديرا عاما في مجلس الوزراء، إلا أنه هنا
ينسى منصبه تماما ويتمتع للغاية بخدمة ضيوف الرحمن.
في أثناء
الرحلة، كثيرا ما كان يرى بعض الحجاج يفقدون أعصابهم أو يبالغون في طلباتهم، وكان
الحاج عرفة دائما طويل البال، يلبي الطلبات قدر الإمكان دون أن يخلو الموقف من روح
الدعابة التي يتمتع بها.. كان بالفعل أخا لكل أعضاء المجموعة البالغ عددهم خمسين
حاجا وحاجة.
وبما أن هذه
هي الحجة الثامنة عشرة له مشرفا، فخبرته كبيرة جدا، تظهر في المواقف الصعبة وفي
نصائحه القيمة قبل المناسك التي يسهل أن يضل الحاج فيها طريقه.
تعرف هو على
الحاج عرفة في المطار، وتلقى منه بعض التعليمات الخاصة برحلة الطيران وبالإجراءات
التي ستتم في مطار جدة إلى أن تستقل المجموعة الأوتوبيس الذي سوف يقلهم إلى مكة
المكرمة.
بعد هذه
التعليمات السريعة طلب الحاج عرفة من الحجاج البدء في التلبية..
إنها لحظة
جديرة بالتأمل حين بدأ في التلبية مع الحجاج. إحساس جديد، ومأ أكثر الأحاسيس
الجديدة في هذه الرحلة، حتى من قبل أن تبدأ!
إحساسه هذه
المرة كان كمن وجد نفسه فجأة داخل مشهد اعتاد رؤيته دون أن يكون هو موجودا فيه.. مشهد
التلبية النمطي المرتبط بالحج الذي كثيرا ما شاهده من قبل في التليفزيون. هل هو
بالفعل يلبي الآن وسط هؤلاء الملبين؟؟
أن تكون
داخل المشهد وخارجه في آن واحد... هذا ما كان يشعر به ويستغربه ويستعذبه في هذه
اللحظات الجميلة.
أقلعت
الطائرة في موعدها تقريبا ووصلت بالتالي مطار جدة في موعدها أيضا.
هناك بدأت
قيمة تعليمات الحاج عرفة تظهر جلية. فهناك العديد من الحجاج الذين ضلوا طريقهم عم
مجموعاتهم وفقدوا أمتعتهم، إلا أن ذلك لم يحدث إلا لحاج واحد فقط من مجموعة الحاج
عرفة، حيث تأخر عن اللحاق بالمجموعة ولحق بهم في الفندق بعد قليل.
قبل السفر
كان قد سمع وقرأ كثيرا أن تجربة السفر للحج عن طريق مطار جدة من أسوأ التجارب.
فكما قيل له، يظل الحجاج عالقين في المطار لفترات طويلة قبل أن يتمكنوا من استقلال
الأوتوبيس للتوجه إلى مكة. كما أن الخطوات – حسب ما قيل له – طويلة ومملة ويسهل
الخطأ في أي منها وبالتالي تكون بداية الرحلة غير جيدة.
إلا أن شيئا
من هذا لم يحدث له.
لم تطل فترة
وجودهم في المطار بلا داعٍ.
لا يدري
لماذا لم يشعر أبدا بأي ضيق أثناء وجوده في مطار جدة، رغم وجوده هناك لأربع ساعات
ونصف تقريبا.
هل لذلك
علاقة بخفض سقف توقعاته؟ فقد اعتاد منذ فترة ليست بالقليلة ألا يرفع سقف توقعاته
من البشر أو من الأشياء، ومن ثم قلَّت للغاية الصدمات التي يتعرض لها. أم هي
الفرحة التي تضفي على النفس طاقة أكبر لتحمل ما لا يمكن تحمله في الظروف العادية؟
أم هو النظر للجزء المملوء من الكوب والاستمتاع به لأفصى حد ممكن؟ أم هي كل هذه
الأسباب مجتمعة؟
لا يدري
السبب على وجه التحديد، إلا أنه كان سعيدا بكل التفاصيل. كان مبتسما أغلب الوقت.
وحتى في اللحظات التي لم يكن وجهه فيها مبتسما فقد كانت روحه مبتسمة طوال الوقت.
هكذا شعر، وهكذا رأى نفسه في هذه البداية – التي رآها جميلة – لرحلة العمر.
بعد انتهاء
الإجراءات في مطار جدة، استقلا الأوتوبيس – هو ورفيقة دربه – مع المجموعة لبدء
الرحلة إلى مكة المكرمة. بعد أن قضى أعضاء المجموعة وقتا طويلا نسبيا سويا، بدأت
الألفة تسري بينهم. تعرف هو على بعض منهم أثناء وجودهم بمطار جدة وأيضا أثناء
استقلالهم الأوتوبيس إلى مكة.
أثناء
رحلتهم من جدة إلى مكة، راجع معهم الحاج عرفة ما سيفعلونه منذ وصولهم إلى الفندق،
وكيفية الوصول إلى المسجد الحرام – المسجد الحرام! يا له من اسم له رهبة عندما
سمعه لأول مرة وهو على بعد ساعة أو أكثر قليلا من الوصول إليه! مزيد من الأحاسيس
التي تستعصى على الوصف... ومزيد من المشاهد التي شعر أنه يراقبها من الخارج وفوجئ
بوجوده بين من هم بداخل هذه المشاهد.
انقضى وقت
الرحلة من جدة إلى مكة بين تذكيرات هامة كررها عليهم الحاج عرفة، وبين التلبية
التي بدأ يعتادها ويشعر بأنها جزء هام من هذه الرحلة البديعة.
كانت رؤيته
للتلبية في الأوتوبيس مختلفة قليلا عنها في مطار القاهرة. فبعد أن كان يستغرب جهره
بالتلبية في مطار القاهرة أصبح الجهر بها أمرا مألوفا له.. وفي المرات التي كان
خياله يأخذه لبعض التأملات، أو حتى حينما كان يغلبه التعب، كان يفيق على صوت تلبية
أحد الرفاق ويشعر أنه يذكره بوجوب التلبية.
ومع تكرار التلبية
أثناء وجوده مع المجموعة في الأوتوبيس كان في بعض الأحيان يتأمل في مفردات التلبية
ويستفيض في تأملاته فتنساب دموعه. كان كلما مر الوقت زاد إحساسه باصطفاء الله له
ودعوته له ليكون من ضيوف الرحمن حجاج بيته الحرام. فالحج دعوة من الله كما سمع
كثيرا قبل ذلك. وها هو منذ يوم إجراء القرعة يرى نفسه مدعوا من رب العالمين، وكلما
تذكر هذا المعنى شعر بكرم الله المغدق عليه وعلى زوجته وحمد الله على ذلك كثيرا.
حينما دخل
الأوتوبيس مكة كانت الشمس على وشك الشروق. كانت الشوارع مزدحمة بالمصلين العائدين
لتوهم من صلاة الفجر. تلك هي المرة الأولى التي يلفت نظره فيها تعدد ألوان وأجناس
الحجيج.
حوالي نصف
الساعة أو أكثر قليلا قضاها الأوتوبيس في هذا الشارع المزدحم بالناس والباعة. أناس
ذوو بشرة سمراء وآخرون ذوو بشرة فاتحة. أزياء مختلفة من كل بقاع الأرض.. ها هم
بالفعل آتون من كل فج عميق تلبية لأذان سيدنا إبراهيم أبي الأنبياء عليه السلام.
اقشعر بدنه لفكرة أن يكون هو بالفعل بين هؤلاء الآتين من كل فج عميق.. ها هو مشهد
آخر مزدوج يراه من الخارج ويفاجأ – مفاجأة سارة – بوجوده داخله.
بعد فترة
قصيرة كان النهار قد بدأ في أم القرى. وأثناء مرور الأوتوبيس في أحد الشوارع لمح
من الشباك قمتي مئذنتين مهيبتين... يا الله! إنهما من مآذن الحرم المكي الشريف.
كان الأوتوبيس يمر في أحد المنعطفات عندما لمح المئذنتين. لحظات قصيرة مرت قبل أن
يواصل الأوتوبيس المسير وتختفي المئذنتان، إلا أن صورتهما ظلت ملء عينيه.. ظل
يتابعهما بنظره، بل بجسمه كله أثناء تحرك الأوتوبيس. كان واقفا بينما كانت زوجته
جالسة.. سألها إن كانت قد لمحت المئذنتين.. أجابته بالنفي.. انتابه إحساس أنه لم
يرهما وأن ذلك كان من أحلام اليقظة. سأل أحد الركاب فأكد له أنهم بالفعل مروا لتوهم
قريبا من الحرم. سمع الحاج عرفة جزءا من الحوار فابتسم وقال له: "ما تستعجلش
على رزقك.. شوية ونوصل الفندق وبعدها تشبع من الحرم"...
No comments:
Post a Comment