كانا قد
وصلا إلى مكة قبل أيام كثيرة نسبيا من موعد بدء شعائر الحج، واستمرا فيها بضعة
أيام أخرى بعد إتمام شعائر الحج، مما أعطاهما فرصة جيدة للمكوث في الحرم المكي
فترة طويلة والاستئناس بالكعبة وبزوار البيت العتيق.
كما كان
لموقع فندقهما دور جيد في هذا الصدد.. فكما عرفنا من قبل، كان فندقهما يقع إلى
الشرق من الحرم في نهاية نفق يصل منطقة العزيزية بالمسجد الحرام. ولذلك فإن الطريق
من الفندق إلى المسجد الحرام لا يمر سوى بهذا النفق.. لا توجد محلات تسوق كبيرة
كالتي توجد في الاتجاهات الأخرى من وإلى الحرم. ليست هناك سوى بعض محلات البقالة أو
المطاعم الصغيرة بالإضافة إلى عدد محدود جدا من المحلات التي تعرض بضائع قليلة..
كان لذلك
أثر إيجابي عليه هو وزوجته فتفرغا تفرغا شبه كامل للعبادة وقراءة القرآن، علما بأن
هذا البُعد عن أماكن التسوق لم يمنع زملاء آخرين من اعتبار رحلة الحج رحلة كبرى
للتسوق، فكان هؤلاء الزملاء يتنقلون بين أركان مكة المختلفة بحثا عن أماكن جديدة
للتسوق، بل إن بعضهم ذهب بالفعل إلى جدة لقضاء يوم أو يومين هناك في
"المولات" الكبرى.
ولعل الفضل
في ذلك الاطمئنان والانقطاع شبه الكامل الذي انقطعاه للاتصال بالله في البلد
الحرام يعود – ولو جزئيا – إلى إحدى زميلاته في العمل. كانت زميلته قد حجت في
العام السابق وعرضت عليه أن تتصل بها زوجته لتسدي إليها بعض النصائح قبل ذهابهما
في رحلة العمر. قالت لزوجته في التليفون إنها اكتشفت أثناء حجها أن الحجاج ثلاثة
أنواع: نوع ذاهب للحج وعبادة الله، ونوع آخر ذاهب للتسوق، ونوع ثالث ذاهب للحديث
واللغو وربما لاكتساب ذنوب الغيبة والنميمة في أطهر بقاع الأرض. قالت الزميلة
لزوجته إن عليهما أن يختارا أي الأنواع يريدان أن ينتميا إليها.
كان
برنامجهما اليومي في كل الأيام التي قضوها في مكة قبل وبعد أيام الحج برنامجا
ثابتا تقريبا. كانا يصليان أغلب الفروض في المسجد الحرام. يذهبان بالأوتوبيس إلى
صلاة الفجر قبل الفجر بحوالي الساعة ويختاران مكانا متقدما في أحد الأدوار العليا
يمكنهما منه رؤية الكعبة ثم يجلسان ليقرءا القرآن سويا. كانا قد انتويا أن يختما
قراءة القرآن سويا مع بعض الزملاء يوم عرفة، فكانا يقرآن سويا في المسجد الحرام
ويقرآن منفردين في غرفتيهما في الفندق.
كانا إذا
جلسا متجاورين في المسجد الحرام قام هو بترتيل القرآن بصوت يمكنها هي سماعه
ومتابعة ما يقرأ من مصحفها. أما إذا جلسا في مكانين منفصلين كان كل منهما يقرأ ما
ييسره الله له ثم يخبران بعضهما عندما يلتقيان بمكان توقف كل منهما لكي يقرأ
المتأخر القدر الذي يجعله يصل إلى ما قرأه المتقدم ليستأنفا القراءة سويا مرة
أخرى.
كانا يقرآن
القرآن إلى أن يحين موعد أذان الفجر ثم يصليان الفجر مع عُمَّار البيت الحرام ثم
يعودان لقراءة القرآن حتى وقت شروق الشمس.
يضفي الوجود
في بعض الأماكن، أو كون الشخص جزءا من منظومة ما، يضفي أبعادا جديدة على ما يفعله
وعلى ما كان قد اعتاد فعله. تجلى له ذلك عند قراءة أو سماع القرآن.. فكلما كان
يقرأ هو – أو يقرأ الإمام في الصلوات الجهرية – آية من آيات الحج أو الآيات التي
تتحدث عن البيت الحرام، كان إحساسه بمعنى هذه الآيات مختلفا عن كل المرات الكثيرة
التي قرأ أو سمع فيها هذه الآيات من قبل. أصبح هذا التذوق المختلف والأعمق مصاحبا
له حتى بعد عودته من رحلة العمر. كان "يرى" الآيات متجسدة أمامه. يا له
من شعور يستعصي على الوصف أن يجد المرء نفسه جزءا من آية في كتاب الله! يا لضخامة
هذا الحدث وهذه المشاعر. في كل مرة كان يسمع هذه الآيات كانت تتجلى له معانٍ
مختلفة وأكثر عمقا، وكان يستغرب كيف لم يرَ أو يشعر بهذه المعاني من قبل. هل هي
حالة الصفاء التي تغمره منذ وصل إلى هنا؟ أم هي تجليات المكان على المعاني؟ أم هو
خليط من كليهما؟ لا يدري على وجه التحديد أي سبب هو، إلا أنه يعي بكامل وعيه أن هذا التدبر والانغماس في معاني القرآن لم
يكن أبدا بهذا العمق والتأمل والتوحد من قبل.
في الأوقات
التي لم يكونا يقرآن فيها القرآن كانت زوجته تُخرج من حقيبتها أحد كتب الأدعاء
التي أحضرتها من مصر وتدعو بما فيها. كثيرا ما تندر زملاء الحج بأ زوجته تستخدم
"الكتب الخارجية" في الدعاء تختلف عن "كتب الوزارة" التي تم
توزيعها في المطار قبل السفر. وقد كانت هذه الكتب بما فيها من دعاء جامع أو أدعية
خاصة بكل نسك فاتحة خير عليهما بل وعلى كثير من الزملاء في يوم عرفة كما سيتضح
لاحقا.
بعد الشروق
كانا يعودان إلى الفندق لتناول الإفطار والنوم حتى صلاة الظهر. وتبعا لحالتهما
البدنية كانا يصليان الظهر إما في المسجد القريب من الفندق أو في المسجد الحرام. كانا
إذا صليا الظهر في المسجد الحرام ينتظران هناك للعصر، وإذا صليا الظهر عند الفندق
يذهبان لصلاة العصر في الحرم.
المغرب
والعشاء هما الفرضان الذان لم يصلياهما خارج الحرم أبدا طوال وجودهما في مكة، فقد
كان وقت المغرب يحين بعد أن ينالا قسطا كافيا من الراحة، كما أن انكسار الشمس كان
مشجعا على التواجد في الحرم لفترة طويلة نسبيا من قبل المغرب بحوالي نصف الساعة
إلى ما بعد العشاء بساعة ونصف. وكانا غالبا ما يقضيان هذه الفترة في الدور العلوي
غير المسقوف من الحرم، وغالبا ما كان مكانهما المفضل بالقرب من مئذنة جبل الصفا،
وهو المكان الذي اكتشفه خالد وزوجته وأهل زوجته وأصبح مكانا للقاء ورؤية الكعبة من
أعلى نقطة في المسجد الحرام.
لم يكن
نشاطهما في المسجد الحرام يقتصر فقط على قراءة القرآن والدعاء. فقد علما قبل السفر
أنه يمكنهما الطواف حول الكعبة طواف تطوع دون أن يكون ذلك الطواف نسكا من نسك الحج
أو العمرة. كما علما أن النظر إلى الكعبة عبادة أيضا.. كانا يطوفان سويا كل بضعة
أيام، وكان طواف التطوع أيسر على النفس وعلى البدن من طواف النسك. هكذا كان يشعر.
كان يطوف بمزيد من الاستمتاع. كان إحساسه بأنه يؤدي ما يؤديه تطوعا يعطي له فرصة
أعمق لتأمل المكان والبشر.
طافا –
زوجته وهو – في كل الأدوار سويا. طافا في الصحن – حيث الزحام الشديد – عدة مرات،
كما طافا في الدور الأول حيث الزحام أقل نسبيا إلا أن الشوط يطول جدا – مسافة ووقتا
– عن الطواف في الصحن. كما طافا في الدور الأخير غير المسقوف وخاصة عندما كانا
يطوفان ليلا.
قبل
الانصراف من المسجد الحرام، وخاصة بعد الشروق وبعد العشاء، كانا يقفان عند سور
الدور الذي صليا فيه ويتأملان الكعبة ويملآن أعينهما وقلبيهما وروحيهما بها
وبالطائفين حولها. كانا يطيلان النظر إلى الكعبة.. كان الصمت أبلغ ما يمكن قوله في
هذه اللحظات الجليلة الجميلة.
بعد قليل من
النظر إلى الكعبة من مكان علوي تتماهي التفاصيل ويصبح المشهد نابضا حيا كما لو كان
خلية حية مكبرة تحت المجهر.. الكعبة ببهائها في منتصف المشهد، وحولها نبض لا ينقطع
ودوران لا يتوقف.. تمايل الطائفين يمينا ويسارا نتيجة مشيهم في حيز ضيق وسط
الطائفين الآخرين يعطي المشهد نبضا حيا مما يجعل بساط الطائفين يبدو وكأنه عملاق
ينبض – بالمعنى الحرفي والمجازي – بالحياة الدائمة التي لا تتوقف.
سبحان من
ألقى حب هذا البيت في قلوب المسلمين الذين رأوه والذين لم يروه بعد. سبحان من
يسَّر – بل وحبب أيضا – الطواف بما فيه من مشقة.. سبحان من جعل زيارة هذا البيت
حلما دائما لمن زارها ولمن لم يزرها، سواء كان فقيرا أو غنيا، صحيحا أم مريضا..
في بعض
الأوقات، وحين كان يبلغ منه التعب مبلغه، كان يستلقي على ظهره وينغمس في تأملاته..
وسواء كان استلقاؤه هذا على سطح المسجد حيث لا سقف سوى السماء، أو في الدور الأول
المسقوف، كان يشعر بأمان شديد وألفة جميلة تربطه بهذا المكان.. شعور جميل يشبه
شعور شخص متعَب يستلقي في نهاية يومه على سريره الخاص. السرير الذي يشعر فيه
بالحميمية وليس سريرا في فندق مثلا..
هناك بالفعل
رباط عجيب نشأ بينه وبين هذا المكان الأثير.. يشعر بألفة شديدة يستغربها بسبب
وجوده هنا لفترة لم تتعدَّ بضعة أيام، وهو الذي لا يألف الأماكن ولا الأشخاص
بسرعة. أليست تلك الألفة وذلك الشعور بالأمن هي مصداق قوله تعالى في سورة القصص: {أَوَلَمْ نُمَكِّن
لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا}.
منتهى الأمن رغم الزحام وتعدد الأجناس. سبحان الله.
وبقدر ما
كان البقاء في الحرم فرصة للتعبد والاتصال برب العالمين، بقدر ما كان فرصة للتأمل
في الأجناس المتعددة التي تملأ الحرم.. ولعل هذا التنوع يصلح لأن يكون مادة خصبة
لفصل منفصل في هذه الرحلة البديعة..
:) سكن ورحمة
ReplyDelete