أيام عديدة
مرت منذ قدَّم أوراق الاشتراك في القرعة. أكثر من أسبوعين. سأل خلال هذه الفترة
عدة مرات عن موعد إجراء القرعة. أخبره الزميل المسئول أنهم في انتظار إجراء الجزء
الأول من القرعة في مجلس الوزراء – الذي تتبعه جهة عمله – لكي تزيد فرص الزملاء في
الفوز بالقرعة.
مرت أيام
أخرى – بدت له أطول من العادي – إلى أن كان يوم الخميس 26 أغسطس 2010. بدا له يوم
عمل كأي يوم عمل آخر، أو هكذا ظن هو.
كان عليه
حضور اجتماع في مقر عمله خارج مكتبه. طال الاجتماع كالعادة. وخرج هو من الاجتماع
مرهقا من طول المناقشات كالعادة أيضا!
لدى خروجه
من قاعة الاجتماعات رأى زميلا يحمل وعاء زجاجيا كرويا يسير في الممر مع بعض
الزملاء. داعب هو زميله قائلا: "هل قررتم أخيرا تربية أسماك الزينة في
الوزارة؟". رد الزميل بتجهم: "اتركني الآن من فضلك. فنحن نبحث عن غرفة
فارغة لإجراء القرعة."
- أي قرعة؟
- قرعة
الحج.
- قرعة
الحج؟ الآن؟
- نعم.
الآن.
- وهل تم
إجراء القرعة في مجلس الوزراء؟
- نعم منذ
نصف ساعة تقريبا.
- وهل فاز
أي من الزملاء؟
- نعم. فلان
وفلان وفلان، والأستاذ خالد وزوجته.
خالد. صاحب
اليقين الجميل.. الذي قرر منذ أكثر من عام أن يتقدم للقرعة. يا لكرم الله الكريم..
شعر بفرحة عارمة لخالد. أراد أن يحضنه مهنئا لكن لم يكن هناك وقت لينزل للدور
السفلي حيث يوجد مكتب خالد. كلمه من تليفونه المحمول. أتاه صوت خالد وقورا فرحا.
هنأه بشدة. رد خالد بيقينه المعهود: "بإذن الله نكون صحبة". نزلت هذه
الأمنية على قلبه المتلهف فزادته لهفة، وإن زاده يقين خالد يقينا وملأه تفاؤلا.
استغرقت
مكالمته لخالد أقل من دقيقة. أنهى المكالمة وهو يكاد يسمع دقات قلبه المترقبة. نظر
حوله فوجد الزميل وموكب القرعة قد سبقوه في اتجاه إحدى غرف الاجتماعات.. أسرع
خطواته خلف الموكب، منصتا لأصوات دقات قلبه ومرددا كلمات خالد الجميلة: "بإذن
الله نكون صحبة".
لحق
بالزملاء الذين كانوا يدخلون المكاتب التي يمرون عليها ويطلبون من الزملاء
مصاحبتهم لكي تكون القرعة علنية.
حينما وصلوا
للغرفة كانوا حوالي خمسة عشر فردا. بعضهم – مثله – متقدمون للقرعة، وبعضهم أعضاء
في مجلس إدارة جمعية العاملين المسئولة عن إجراء القرعة، وبعضهم شهود من المكاتب
المجاورة.
كان قد علم
من قبل أن التأشيرات الست الفردية قد فاز بها أصحابها بالتزكية حيث لم يتقدم لها
عدد أكبر من عدد التأشيرات. أما التأشيرات الزوجية فقد تقدم لها ثمانية أزواج، فاز
ثلاثة منهم في قرعة مجلس الوزراء – خالد وزوجته أحد هؤلاء – ويتبقى خمسة أزواج –
هو وزوجته أحدهم – يقترعون الآن على التأشيرتين الزوجيتين.
تم وضع خمس
ورقات صغيرة مطوية بعناية في الوعاء الزجاجي الكروي، وتم خلطهم جيدا، ثم دعوا أصغر
الحاضرات لسحب القرعة.
كم هي عصيبة
لحظات الترقب والانتظار. كم تمر ببطء شديد حتى ليخيل للمنتظر أنها لا تمر. في عمر
الزمن ما هي إلا لحظات، إلا أنها مرت عليه طويلة جدا... كأنما يشاهد مشهدا بالعرض
البطيء جدا.
مدت الزميلة
يدها في الوعاء.. حركت الأوراق حركة دائرية – رآها هو بطيئة للغاية – ثم سحبت
إحداها. أخرجت يدها ببطء من الوعاء.. نظرت ناحية الزميلة عضو مجلس الإدارة وأعطتها
الورقة.. فتحت هي بدورها طيات الورقة في لحظات طويلة.. بدأ هو في الابتسام موقنا –
أو فلنقل متمنيا – أن تحوي هذه الورقة اسمه. فكت طية، ثم الثانية، ثم الأخيرة.
فردت الورقة بأصابع يديها ثم أعلنت الاسم المكتوب عليها: "مدام إيمان
صلاح"
!
تجمدت
الابتسامة على وجهه.. بل تجمدت مشاعره لحظيا.. لم تكن الأستاذة إيمان حاضرة معهم
إجراء القرعة، ومن ثم لم تكن هناك مشاعر واضحة داخل الغرفة.
شعر هو
لحظتها بخيبة أمل.. إحساس كشخص ظمآن للغاية كاد لتوه أن يشرب ويرتوي إلا أنه عندما
قرب وعاء الماء من فمه وجده خاويا... شعور محبط جدا هذا الذي كان يشعر به لحظتها.
تذكر فجأة أن الأمل ما زال موجودا، فهناك اسم آخر على وشك أن تسحبه الزميلة.
تذكر فجأة أن الأمل ما زال موجودا، فهناك اسم آخر على وشك أن تسحبه الزميلة.
نفس الخطوات
– وإن بدت أكثر بطئا عن المرة الأولى – قامت بها الزميلة. ونفس خطوات فك طيات
الورقة قامت بها السيدة عضو مجلس الإدارة، مع اختلاف بسيط في التفاصيل البطيئة:
ابتسامة مشرقة أخذت في الظهور على وجه السيدة قبل أن تبدأ في قراءة الاسم. أشرق
وجهها – أو هكذا شعر هو – قبل أن تقول: "المهندس عمرو إبراهيم"!
إنه اسمه..
هو! إلهي ما أكرمك!
شعر بدوار
خفيف للحظات قبل أن يشعر بجو من الود والدفء يملأ الغرفة. حضنه كل المحيطين به من
الزملاء.. سمع عبارات جميلة لتهنئته.. أمنيات طيبة.. كان نصف واعٍ بما يحدث. لم
يكن أفاق من ذهوله بعد.
انفض الجمع،
وكان عليه أن ينزل إلى مكتبه في الدور الأرضي.
مشى ببطء
عبر الممر المؤدي إلى السلم.. نصف سائر ونصف طائر.. إحساس شفاف صافٍ يملأ كيانه
كله.
أحيانا لا
توجد مفردات تصف المشاعر بدقة.. عندما تكون المشاعر أكبر من أكبر الكلمات.. عندما
تستعصي هذه المشاعر على قدرة أكثر الأدباء براعة في التعبير.
ما هي
المشاعر التي انتابته في هذه اللحظات؟ لتقريب المعنى يمكن القول إن هذه هي مشاعر
الرضا الكامل. رضا لا تشوبه شائبة من عدم الرضا.. رضا بدون "لكن".. رضا
بدون "يا ليت".
فمثلا،
عندما نجح بتفوق في الثانوية العامة، كانت "يا ليت" حاضرة. يا ليته كان
أكثر تفوقا ليحرز مركزا متقدما ضمن الأوائل على الجمهورية.. وعندما ترقى في عمله
منذ فترة وجيزة، لم يخلُ المشهد من "لكن". لكن الترقية جاءت متأخرة بعض
الشيء.
وهكذا كانت
كل لحظات الرضا التي مرت عليه في حياته – وهي كثيرة بفضل الله – كانت هناك (شوائب)
إن جاز القول، إلا هذه المرة.. لقد أنعم الله عليه هذه المرة برضا لا تشوبه شائبة.
رضا في منتهى النقاء والشفافية.. رضا خام!
إذا كان هذا
الرضا ممكنا في الدنيا كما يشعر هو الآن، فكيف يكون رضا المؤمنين في الجنة؟
في وسط حالة
الرضا السامي هذه أراد أن يبلغ رفيقة دربه بالأخبار السعيدة. قرر أن يخرج خارج
المبنى ليكلمها بحرية أكبر مما لو كلمها من داخل مكتبه بين الزملاء.
توجه إلى
خارج المبنى. توقع أن تكون زوجته نائمة في هذا الوقت.. اتصل بها.. ظل الهاتف يرن
دون رد.. هل هذا وقت النوم يا أم البنات؟!
غالبا ما
تكون والدته نائمة أيضا في هذا الوقت لكن والده يستيقظ مبكرا. اتصل بمنزل والديه
آملا أن يكون والده في المنزل. لحسن حظه رد عليه والده.. أخبره بالأخبار الجميلة.
إذا كان للفرحة صوت فهو بلا شك صوت والده على الجهة الأخرى من هذه المكالمة
السعيدة. رد والده: "ألف مبروك يا عمرو.. ألف مبروك يا حبيبي". سبقته
دموعه فلم يستطع أن يرد على والده للحظات... أخبره والده أنه سيوقظ والدته
لإبلاغها بهذا الخبر المبهج.. بالفعل.. جاءه صوت والدته مازجا الفرحة بدموع الفرح.
يا لها من مشاعر مختلطة.. فرح ممزوج بدموع أمه.. عناق عبر الهاتف مليء بكل المشاعر
الجميلة.
كان في
أثناء المكالمة قد انزوى في ركن خارج مقر عمله. بعد أن انتهت مكالمة والديه قرر
الرجوع إلى مكتبه.
في طريق العودة
إلى مكتبه مر بمكتب خالد المجاور لمكتبه. وجده جالسا مع بعض الزملاء... نظر إليه
بود وامتنان قائلا: "صحبة يا خالد.. صحبة إن شاء الله". قفز خالد من
مقعده.. تعانقا عناقا جميلا، ثم عانقه الزملاء الآخرون مهنئين. دق جرس هاتفه..
إنها زوجته بعد أن أيقظها رنين مكالمته منذ قليل..
- آلو..
إزيك؟ صحيتك من النوم؟
- لسة صاحية
دلوقتي
-انتي قاعدة
والا واقفة؟
- لأ
قاعدة.. خير؟
- ألف مبروك
يا حاجة..
- حاجة؟
بجد؟ القرعة طلعت؟؟
- أيوة.. من
تلت ساعة
- الله
أكبر.. الحمد لله رب العالمين
عاد إلى
مكتبه... زف الخبر إلى أصدقائه المقربين في رسالة بريد إلكتروني عنوانها: (اللهم لك
الحمد - لبيك اللهم لبيك)، وظل مغموسا في مزيج من مشاعر الرضا والفرح والامتنان...
لبيك اللهم
لبيك...
الحمد لله لمشاعر الفرح
ReplyDeleteوأي فرح يا شيماء؟
ReplyDeleteاللهم لك الحمد كله
ان شاء الله بعوده وتكون صحبه برده
ReplyDeleteالكلام بقراءة كأنه كان امبارح
أيام جميله جدا ربنا يديم الفرح