أثناء
تواجده في الحرم المكي، كان إحساسه عجيبا بالأذان. قبل الحج، كان سماع أذان الحرم المكي
يلمس روحه ويبهجها. كان يسمعه أحيانا في الراديو، وأحيانا في التليفزيون. كما أنه
كان يضعه في برنامج مواقيت الصلاة على جهاز الكمبيوتر.
مازال يذكر
عندما كان في دورة تدريبية لمدة شهرين في كوريا الجنوبية عام 2003. كان قد حمَّل
على جهاز الكمبيوتر المحمول برنامجا لإخباره بوقت الصلاة في المدينة التي سيقيم
بها هناك، وضبط البرنامج لكي يؤذن بأذان الحرم المكي عندما يحين وقت الصلاة.
جمعت الدورة
التدريبية متدربين من ست دول من بينها المملكة العربية السعودية. وكان أحد
المتدربين السعوديين من أهل مكة المكرمة. وفي أحد الأيام بعد حوالي أسبوعين من
وصولهم إلى كوريا حان موعد أذان الظهر فانطلق صوت أذان الحرم من الكمبيوتر... فوجئ
هو برد فعل زميله المكي.. انفجر الرجل في بكاء طويل ثم عاتبه قائلا: "سامحك
الله يا أخ عمرو... لقد أشعلت الحنين في قلبي للحرم ولأذان الحرم". لم يكن
يدري هو وقتها الارتباط العجيب بهذا الأذان المتفرد، ولكن ها هو الآن يلمس هذه
العلاقة الجميلة والحب الدافق لهذا الأذان.
في كل مرة
كان يسمع فيها الأذان في الحرم المكي كان يتذكر زميله المكي. فهو الآن يلمس الارتباط
بالأذان جليا.. فقد كان هذا الأذان الجميل يلمسه جدا. يلمس ثنايا روحه.. يملأ
وجدانه بالترقب والرهبة..
كان ذلك
يحدث في كل مرة يسمع فيها الأذان أثناء وجوده في الحرم..
إلا أن وقع
أذان الفجر عليه كان مختلفا وأكثر قوة وعمقا لسبب لا يعلمه..
كان كلما
سمع أذان الفجر في الحرم تنساب دموعه لا إراديا... بمجرد بدء المؤذن بقول الله
أكبر في وسط ظلمة الفجر... يا الله! شعور عجيب كان ينتابه... يشعر بالأذان يخترق
روحه ويتغلغل فيه... شعور مفاجئ في كل مرة... لم يعتد هذا الشعور ومن ثم لم يفقد
أذان الفجر في الحرم خصوصيته عنده.
حاول عدة
مرات أن يجد سببا ملموسا لذلك إلا أنه لم يتوصل إلى أي سبب..
فما أن يبدأ
المؤذن في النداء لصلاة الفجر حتى تنتابه حالة عجيبة.. يبكي بشدة وبتأثر شديد.. لم
تكن دموعه هذه دموع فرحة ولا دموع ندم.. كان يشعر بضآلته الشديدة أثناء أذان الفجر..
يرى نفسه نقطة تكاد لا تُرى في هذا العالم اللانهائي... شعور عجيب بضآلة الأشياء
التي كان – وما زال – يعتبرها هامة...
يتملكه هذا
الإحساس منذ بداية الأذان وحتى نهاية صلاة الفجر.
حتى أثناء
الصلاة كان تركيزه فيما يقرؤه الإمام شديدا..
كانت دموعه
تنساب بلا تحكم وبلا سبب واضح، إلا أنه كان يخرج من صلاة الفجر أكثر شفافية وصفاء،
كما لو كانت تلك الدموع تغسل روحه بلطف مرة بعد مرة..
كم هي لحظات
جميلة بالفعل... اشتاق إليها كثيرا بعد عودته من هناك، وسأل الله كثيرا أن يعيده
مرات ومرات...
No comments:
Post a Comment