Tuesday, November 15, 2011

كل القرى في أم القرى


{وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} سورة الحج الآية 27.
أن يقرأ أو يسمع هذه الآية شيء، وأن يعيشها ويكون جزءا منها شيء آخر تماما. هكذ كان يشعر هو – كما أوضح من قبل – كلما سمع أو قرأ آية من آيات الحج... إلا أن هذه الآية تتجلى بصورة لا يمكن أن يخطئها بشر... {من كل فج عميق}...

سىافر هو عدة مرات من قبل إلى عدد من المدن التي يمكن أن يطلق عليها المدن الكوزموبوليتانية.. تلك المدن التي تختلط فيها الجنسيات والأفراد... مدن مثل لندن، أو دبي، أو نيويورك.. في مدن مثل هذه يكون طبيعيا أن ترد إلى سمعه لغات متعددة يألف بعضها ويستغرب البعض الآخر... إلا أن الشعور مختلف هذه المرة... هنا أناس من كل أنحاء العالمم... من كل فج عميق بالفعل... أتوا يجذبهم بهاء الكعبة ويطلبون عفو الله... أتوا تحقيقا لوعد الله لسيدنا إبراهيم عليه السلام.

كان وجوده فترات طويلة في الحرم وفي ساحاته فرصة له ليتأمل أحوال الجنسيات المختلفة. يا له من إحساس جميل أن يرى كل هؤلاء المسلمين من كل أنحاء الأرض.. إحساس بالاستئناس بهم جميعا.. فثمة رابط خفي يربط الجميع هنا... ابتسامات متبادلة حين تلتقي النظرات.. ابتسامات تقطع وحشة اخنلاف الألسنة، وتُذكِّر الجميع بوحدة العقيدة رغم كل الاختلافات – بل والخلافات.

عندما يعتاد الإنسان نعمة ينسى مع مرور الوقت أنها نعمة ومنحة من الله، ويعتبرها شيئا مُسَلَّما به، إلى أن يتعرض لموقف تتجلي فيه حقيقة كون هذه النعمة منحة وليست حقا مكتسبا..
ينطبق ذلك على من يرى شخصا مكسور الساق فيعرف أن ساقه وقدرته على الحركة منحة تستحق الشكر، أو على من يصيبه مرض يرقد بسببه بعض الوقت غير قادر على الحركة ويعلم علم اليقين حينها أن صحته منحة من الله تستحق الشكر الجزيل..
هناك – في مكة – تجلى له هذا الخاطر فيما يخص نعمة اللغة العربية.. فهو عربي الأب والأم واللسان... يقرأ ويكتب و"يفهم" العربية بلا مشقة، ومن ثم لا يجد بأسا في قراءة القرآن أو الدعاء... ويا لها من نعمة كبيرة بالفعل.

حين كان يطوف مع زوجته طواف القدوم في اليوم الأول لهما بمكة، وأثناء وجودهما وسط بحر البشر بالقرب من الكعبة، سمع صوتا عذبا يدعو بالعربية بصعوبة بالغة.. نظر ناحية الصوت فوجد رجلا أربعينيا تنبئ ملامحه بانتمائه إلى وسط آسيا.. وجد في يد الرجل كراسة صغيرة يقرأ منها الدعاء... استغرب أن يكون هذا الرجل يقرأ العربية.. استرق هو بعض نظرات إلى الكراسة فوجدها مكتوبا فيها باليد أشكالا عجيبة بلغة لم يرها من قبل. فقد كان هذا الحاج قد كتب من قبل منطوق الأدعية العربية بلغته وظل يقرؤها طوال طوافه.. لم يتمالك نفسه عندما رأى هذا المشهد.. هو.. الذي يدعو وتؤمن زوجته وراءه... يدعوان بعربيتهما الطلقة، ويفهمان تماما ما يدعوان به، بينما يجتهد هذا الحاج اجتهادا شاقا لكي ينطق كلمات – هو غالبا لا يفهمها تمام الفهم – لكي يتقرب إلى الله. يا لها من نعمة عظيمة أن يكون لسانه عربيا..

تكرر هذا المشهد مرات عديدة فيما بعد، إلا أن إحدى المرات كانت من نصيب زوجته.. عند وصولهما للحرم قبل صلاة الفجر في أحد الأيام لم يستطع هو وزوجته أن يجلسا متجاورين.. جلست زوجته وسط النساء على مسافة عدة أمتار من مكانه.. جلس هو وسط الرجال يقرأ في مصحفه، وكان كل فترة يمد رأسه ليطمئن على وجود زوجته في مكانها. في إحدى المرات التي نظر فيها تجاه زوجته رأى سيدة كبيرة السن تجلس بجوار زوجته وتنظر إليها بود شديد وتمسح كتف زوجته وظهرها ويشرق وجههما – السيدة وزوجته – بابتسامتين صافيتين.
علم بعد الصلاة أن هذه السيدة تركية، وأنها عندما رأت زوجته تقرأ في المصحف أخرجت من جيبها كتيبا صغيرا به سورة (يس) وفتحته وأشارت إلى زوجته على الصفحة الأولى منه.. فهمت زوجته أن السيدة تريد منها أن تقرأ لها السورة لأنها لا تستطيع قراءة العربية. بدأت زوجته في القراءة من الكتيب، وكانت السيدة تكرر ما تقرؤه زوجته.. وبعدها لم تتمالك السيدة نفسها من الفرحة، واعتبرت زوجته من الأولياء لمجرد أنها استطاعت قراءة القرآن بالعربية بطلاقة، فمسحت كتفها وظهرها للتبرك بها!

في موقف آخر بين صلاتي المغرب والعشاء، جلس إلى جوارهما – زوجته وهو – شاب تركي وزوجته. أخرجت الزوجة التركية من حقيبتها مصحفين وبدأ الزوج التركي يقرأ من مصحفه.. لم يستطع هو منع نفسه من النظر في مصحف جاره فوجده مكتوبا بالعربية.. استأذن جاره في أن يقطع قراءته قليلا وسأله إن كان يتحدث الإنجليزية، فرد الجار بالإيجاب. سأله بالإنجليزية إن كان يستطيع قراءة المصحف باللغة العربية، فرد الرجل التركي بأنه يستطيع بالفعل القراءة والنطق باللغة العربية إلا أنه لا يفهم إلا قليلا مما يقرأ.

كانت تلك المواقف وغيرها فرصة حقيقية لهما لكي يعرفا عِظَم نعمة اللسان العربي الذي أنعم الله به عليهما...

وبتكرار وجوده في الحرم كان يرى أجناسا مختلفة.. العدد الأكبر من الحجيج كانوا من مواطني تركيا وإيران...
لفت نظره الحجاج الأتراك.. يلبسون زيا موحدا لونه وردي فاتح مبهج يضفي على ملامحهم الدافئة دفئا إضافيا. وكان يحب أن يرى كبار السن منهم.. فهم غالبا ما كانوا يبتسمون بود حقيقي في وجه من يقابلهم.. كان الأتراك عادة ما يمشون في مجموعات.. يرى مساحة متحركة من اللون الوردي فيعلم أنها مجموعة من الأتراك.
كان وجودهم هادئا.. فلم يكونوا يحدثون جلبة كبعض الجنسيات الأخرى.. كما أنهم يتسمون بنظافة بالغة.. فعندما يتناولون بعض الأطعمة أو الفواكه في الحرم أو في ساحاته كانوا يتركون المكان نظيفا للغاية، عكس بعض الآخرين.

الماليزيون أيضا منظمون جدا... كان أغلب الحجاج الماليزيين من صغار السن بعكس الأتراك. عرف فيما بعد أن رحلة الحج من هدايا الزواج في ماليزيا.. عندما يتزوج شاب وفتاة هناك تكون هديتهما رحلة الحج..
كان يحب أن يرى الماليزيين أثناء طوافهم.. قطار طويل به من الأمام أربعة أو خمسة من الرجال، وفي الصفوف التالية يوجد رجل في اليمين ورجل في اليسار ووسطهما توجد سيدتان أو ثلاث، وهكذا إلى أن ينتهي القطار البشري بأربعة أو خمسة رجال أيضا. هو إذن مستطيل من النساء محاط بسور من الرجال...
ترتدي كل نساء المجموعة الماليزية خمارا ذا لون موحد، غالبا ما يكون لونا فاتحا، كما يضعن على رؤوسهن فوق الخمار علامة مميزة – قد تكون زهرة صناعية ذات لون متفق عليه أو شريطة من القماش بلون موحد – بهدف تسهيل الوصول إلى بعضهن البعض من على البعد، إذ أنه من السهل أن يفقد المرء مجموعته وسط هدير أمواج البشر في الحرم.

كان يستعذب رؤية الماليزيين أثناء الطواف. في إحدى المرات التي كان يطوف فيها في الصحن صادف إحدى المجموعات الماليزية تتأهب لبدء الطواف. كان لهم قائد واحد.. أشار إليهم فنزل القطار المنتظم عدة سلمات إلى الصحن ثم أشار لهم القائد إشارة البدء فدخلوا وسط جموع الطائفين محافظين على وحدة مجموعتهم.

كان يحب أيضا أن يراهم من مكان مراقبته للكعبة من الدور العلوي.. كان يرى مستطيلا منتظما بلون موحد – هو لون الخُمُر. ويظل هذا المستطيل الموحد متماسكا ومنتظما طوال أشواط الطواف السبعة.

هؤلاء قوم تربوا ونشأوا على أهمية النظام. لا يعتبرون النظام قيدا فيفرون منه، بل يعتبرونه ميزة فليتزمون به.

ولا مفر من المقارنة هنا، فقد كان هو وبعض رفاقه قد تحدثوا مع الحاج عرفة أثناء الرحلة من جدة إلى مكة وطلبوا منه أن يقود مجموعة منظمة من فوجهم وأن يرشدهم إلى عمل الشعائر مجتمعين، إلا أن الحاج عرفة رفض بحزم وأخبرهم بأنه قد حاول عمل ذلك في مرة سابقة إلا أنه لم يجد إلا عددا قليلا جدا من الملتزمين بالنظام. أخبرهم أنه في تلك المرة خرج من الفندق لأداء عمرة القدوم على رأس مجموعة تضم حوالي ثلاثين حاجا، وعاد إلى الفندق بعد ساعات طويلة وبصحبته ثلاث حجاج فقط، فقرر ألا يفعل ذلك مرة أخرى أبدا!

الحجاج الإندونيسيون منظمون أيضا.. ولهم طريقة جيدة وفعالة لعدم خلط حقائبهم. لكل منهم حقيبة كتف تحوي أوراقه وبعض لوازمه. للحقائب كلها نفس الشكل والحجم، إلا أنها تحتوي على جيب بلاستيكي شفاف في إحدى جهتيها. بداخل الجيب الشفاف توجد ورقة مطبوع عليها اسم الحاج وصورته ورقم رحلتي الطيران وبعض البيانات الأخرى.
بهذه الطريقة لا يمكن أن يأخذ الحاج حقيبة تخص حاجا آخر، وحتى إذا حدث ذلك فيمكن اكتشاف الخطأ بسهولة وإعادة الحقيبة إلى صاحبها.
فكرة بسيطة ولكنها فعالة، وتنم أيضا عن عقول منظمة...

وبالإضافة لإعجابه بالنظام الذي تتسم به جنسيات معينة، كانت رؤية حجاج من جنسيات معينة تؤثر فيه.. تأثر لرؤية الحجاج الصينيين.. لم يكونوا يتحركون في مجموعات كبيرة العدد مثل الماليزيين أو الأتراك.. كان الصينيون في الغالب يمشون في مجموعات قليلة العدد مكونة من حاجين أو ثلاثة حجاج.. يرتدون زيا بسيطا مكتوبا عليه باللغة العربية "الحاج الصيني". كان كل من رآهم من الصينيين كهولا جاوزوا السبعين. كانت لحاهم غير الكثيفة مع ملامح وجوههم الدقيقة تضفي عليهم جميعا جمالا ورقة يقربانهم من وجدانه..

رأى أيضا حاجين شابين من ألمانيا... كانا مهندمين للغاية رغم بساطة ملابسهما. يقرآن القرآن بصوت لم يمكنه سماعه إلا أنهما كانا منهمكين في القراءة.

كان عدد الحجيج من الدول الأفريقية كبيرا نسبيا... أعلام دولهم مطرزة على ملابسهم بألوانها الزاهية... استطاع أن يميز أعلام الكاميرون والنيجر ونيجيريا.. في الغالب كانت وجوههم ذات الملامح الأفريقية المميزة مبتسمة وتشع ودا حقيقيا...كان يستأنس عندما تقطع نظراته نظرات أحدهم فيبتسم قائلا "السلام آليكم" بود حقيقي.

أما الشعوب العربية، فكان أقربهم إلى قلبه في هذه الرحلة الحجاج السوريون.. لفت نظره أنهم منظمون للغاية.. يتحركون ويجلسون في مجموعات منظمة..
في بعض المرات التي طافا أو سعيا فيها كانا يلتقيان بمجموعة سورية تطوف بقيادة شيخهم. كان يدعو والمجموعة تؤمن وراءه. كم كان دعاؤهم عذبا رقيقا. كان هو  وزوجته ينضمان للمجموعة السورية ويدعوان معهما ويستعذبان الجو الروحاني الدافئ الذي يغلف لهجتهم.
في إحدى المرات التي كان يطوف فيها مع زوجته في الدور العلوي وجدا مجموعة سورية تجلس بجوار السور. كان قائد المجموعة ينشد قصيدة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم بصوت عذب للغاية، وكانت المجموعة تردد وراءه بعذوبة لا تقل عن عذوبته.. طوال أشواط الطواف كانت محطة راحتهما – زوجته وهو – عند هذه المجموعة... تارة يجدانهم ينشدون، وتارة يدعون، وتارة يستمعون لقائدهم يشرح لهم إحدى قصص السيرة.

اكتشف مع الوقت أن ما يأسره هو النظام وعذوبة الصوت.. كان ذلك يشده شدا أن ينضم لهذه المجوعة أو تلك، أو حتى أن يتلصص من بعيد...
نعم إنه النظام... تلك الفضيلة الغائبة...

وفي بعض فترات الهدوء في الحرم، والتي غالبا ما تكون بين صلاتي الظهر والعصر أو بين العصر والمغرب، كان عدد المتواجدين في الحرم من غير الطائفين يقل بصورة ملحوظة.. كان ذلك يعطيه فرصة أكثر عمقا للتأمل في الموجودين... وكم كان يسعد ويستبشر حين يرى أناسا يشبهون أحد أصدقائه أو أقاربه.. كان يفرح بذلك ويرسل رسالة لهذا الصديق من تليفونه يبشره فيها بأنه رآه في الحرم.. وكان يسعد للغاية بالردود المبتهجة التي تصله منهم.

كما لفت نظره أيضا أن يمر فجأة بخاطره أحد معارفه – المقربين أو غيرهم –أثناء وجوده هناك.. كان يشعر أن تلك إشارة لكي يدعو له أو لها، وكان يمتن لهذا الخاطر ويستعجب من تقدير الله.

وهكذا فإن هذه الرحلة كانت فرصة جيدة له أن يرى كل هؤلاء الناس يعبدون الله.. كل بلغته وبطريقته... كان فرصة أن يرى ويتذوق معنى {من كل فج عميق} يتجسد أمامه، ويحمد الله كثيرا أن اختاره ليكون من بين هؤلاء.. آمنا ومستأنِسا وممتنا...

1 comment:

  1. الماليزين والاندونسيين من اللطف الشعوب
    سبحان الله كل شعب غريب في الحج جميبل كفاية جدا من الابتسامة والفرحة

    بس رغم إن شعبنا مش منظم منساش أبدا ست فلاحة مصرية فوق السبعين مكنتش قادرة تمشي وطالعه سلم الحرم النبوي وبتدعي بصوت غالي ) يارب قويني واديني الصحة لغاية ما أتم الحج ( سعتها فتحت في الغياط وحسيت إني متدلغه أوئ لأني عيانه

    يارب أرزقنا الحج قريب يارب

    ReplyDelete