Friday, December 2, 2011

عندما وُلِد من جديد


من السُّنَّة أن يبيت الحجيج في مِنى في يوم التروية – اليوم الثامن من ذي الحجة – تمهيدا لتوجههم إلى عرفات في اليوم التاسع لأداء ركن الحج الأعظم: الوقوف بعرفات.
كان عدد الحجاج في تلك السنة كبيرا جدا، فقد كانت السنة السابقة هي السنة التي انتشر فيها وباء إنفلونزا الخنازير مما أعاق كثيرا من الحجاج من العديد من الدول عن السفر، وقامت السلطات السعودية بقبول سفرهم هذا العام بالإضافة إلى العدد المعتاد من الحجاج.
لهذا السبب أخبرهم الحاج عرفة بأنه لن يمكنهم المبيت في مِنى في يوم التروية لأن ذلك من شأنه أن يمنع دخولهم عرفة قبل مغرب يوم التاسع، ومن ثم فقد يصيبون السنة ولا يستطيعون أن يأتوا بالفرض فتبطل حجتهم. لذلك كان القرار أن يذهبوا إلى مخيمهم في عرفة في يوم الثامن من ذي الحجة، مبكرين يوما عن باقي الحجيج.

في مساء يوم السابع من ذي الحجة مر عليهم الحاج عرفة في غرفهم في الفندق وأخبرهم بما هم بصدده في الأيام المقبلة. يوم التروية ويوم الوقوف بعرفة ويوم العيد وأيام التشريق، وكان هو يكتب ما يقوله الحاج عرفة من خطوات وتوقيتات وأرقام مخيمات وعلامات في الطريق تمنعهم من أن يضلوا طريقهم.
كان الحاج عرفة يقول ما يقوله بطلاقة شديدة، فهذه هي الحجة الثامنة عشرة له، إلا أنه هو كان متوترا.. كان يشعر بأنه على وشك الإقدام على خطوة عظيمة الشأن.. كل ما مر به منذ وصولهم إلى مكة شيء وما سيفعلونه في الأيام القليلة المقبلة شيء آخر تماما... هل يكون حجه مبرورا؟ هل يوفقهم الله لإتمام الشعائر على الوجه الأكمل؟ هل، وهل، وهل...
كان عقله وقلبه يتأرجحان بين الاستماع للتفاصيل وبين تأملاته وأمنياته.

في صباح يوم التروية ركبت المجموعة أوتوبيسا مخصصا لها استعدادا للتوجه إلى عرفات. الشارع اليوم مختلف.. الكل في حالة من الاستعداد للترحال... كل هؤلاء قادمون لله... يا له من مشهد مهيب، ويا له من مضيف كريم...

جلس في الأوتوبيس تاركا نفسه لتأملاته في هذه الأعداد الكبيرة... ملابس الإحرام تزين الجميع.. أصوات الملبين تملأ الشارع والأوتوبيس... ودموعه تنساب بلا تحكم منه..
المسافة إلى عرفات ليست بالكبيرة... حوالي 20 كيلو مترا، قطعها الأوتوبيس بسرعة لأن عدد الأفواج التي قرر مشرفوها التوجه إلى عرفات في يوم التروية ليس كبيرا.
وصلوا مخيمهم في عرفات قبل الظهر.. كان المعسكر مكونا من عدة مخيمات... كان يقيم في مخيم للرجال في منتصف المعسكر تقريبا بينما كانت زوجته تقيم في مخيم للنساء قريبا من المخيم الذي يقيم هو فيه.

اختار كل حاج مكانه في المخيم ووضع منامته وحقيبته... استراحوا قليلا ثم حان وقت صلاة الظهر... صلوا الظهر جماعة في المخيم ثم قرر هو أن يذهب إلى جبل الرحمة الذي لا يبعد كثيرا عن مخيمهم.
كانت شوارع وادي عرفات شبه فارغة.. علم فيما بعد أن حجاج مصر وتوس فقط – ويا لها من مفارقة ثورية! – هم من أتوا إلى عرفات في يوم التروية.

مشى إلى جبل الرحمة وصعد إلى قمته الخالية إلا من بعض الحجاج قليلي العدد... هذا الجبل الذي كان يظن مع كثير ممن يعرفهم أنه هو – وهو فقط – ما يسمى بجبل عرفات، وأن كل الحجيج يجب أن يقفوا عليه في يوم عرفات.. إلا أنه فوجئ أن الجبل يشغل حيزا صغيرا جدا من صعيد عرفات، وأن المكان أوسع كثيرا من الجبل، إلا أن البث التليفزيوني يركز على جبل الرحمة دون غيره من الأماكن فيعتقد المشاهدون أن الجبل هو كل عرفات.
صعد الجبل وشاهد عرفات من فوقه من كل الاتجاهات.. الشوارع شبه خالية والحجاج متناثرون هنا وهناك... مشهد نادر الحدوث في عرفات كما سيعرف هو غدا..
نزل من قمة الجبل وتمشى قليلا في الشوارع في طريق عودته إلى المخيم.

كان قد اتفق مع زوجته أن يقوما سويا بختم القرآن والدعاء في يوم التاسع، وكان عليه أن يقرأ وحده بعضا من القرآن إلى أن يقف عند بداية الجزء التاسع والعشرين ليقرآه سويا. جلس في المخيم يقرأ ما تبقى له، ثم قرر أن يراجع خطوات المناسك مرة أخرى.. كان قد حمَّل بعض الملفات الصوتية ووضعها على جهاز MP3 Player صغير. رقد في المخيم مستمعا لبعض هذه الملفات عن أعمال يوم عرفة والأيام التي تليه.. غلبه النعاس أثناء استماعه فنام بعض الوقت إلى أن حان موعد صلاة العصر.. صلى مع رفاقه في المخيم ثم استمع لأحد الحجاج يلقي كلمة جميلة عن فضل يوم عرفة وعما يجب على الحجيج فعله...
أصبحت أغلب الوجوه مألوفة له، إن لم يكن بحكم التجاور في الأيام الماضية منذ وصولهم مكة، فبحكم التواجد سويا في هذا المكان الخاص جدا، لأداء هذه الشعيرة الخاصة جدا.
لفت نظره كم الوجوه المبتسمة التي يلاقيها أينما نظر. يالطبع كانت هناك وجوه عابسة، إلا أن عدد الراضين المستبشرين المبشِّرين كان يفوق الآخرين، أو هكذا أراد هو أن يشعر.

قبل المغرب بأقل من ساعة قرر مع بعض زملائه صلاة المغرب في مسجد نمرة. لم يكن المسجد يبعد كثيرا عن مخيمهم... مشوا سويا إلى المسجد ووصلوه قبل المغرب بقليل. كان المسجد فارغا إلا من عد ضئيل جدا من المصلين، وهو أيضا مشهد يختلف تماما عن مشهد يوم غد إذ يمتلئ المسجد عن آخره بالحجيج في يوم عرفة.
صلوا المغرب هناك ثم التقوا بزوجاتهم خارج المسجد. جلسوا على سلالم المسجد وأخرجت زوجته من حقيبتها أحد كتب الدعاء وأعطته له. كان يقرأ الدعاء بصوت يسمعه الآخرون – زوجته والزملاء وزوجاتهم – ثم يؤمنون وراءه. كانت دقائق جميلة مليئة بالمشاعر الشفافة. فهم في عرفة، بعد غروب الشمس، لا يفصلهم عن أن يولدوا من جديد إلا يوم واحد... فبحلول غروب شمس اليوم التالي سيمسون بلا ذنوب... أنقياء كما ولدتهم أمهاتهم... يا له من شعور مهيب!
انتظروا حتى حان موعد صلاة العشاء وصلوا جماعة في ساحة المسجد ثم عادوا إلى المخيم لينالوا بعض الراحة استعدادا ليوم ميلادهم في الغد.

في يوم التاسع من ذي الحجة، استيقظ قبل الفجر وصلى الفجر جماعة مع زملاء المخيم... حاول أن ينام قليلا بعد الصلاة إلا أنه استيقظ على صوت زوجته تناديه من خارج المخيم... عرف منها أنها لم تنمْ نتيجة الزحام الشديد في مخيم السيدات.
كانت الشمس على وشك أن تشرق وكان الجو لطيفا.. جلس مع زوجته وبعض الزملاء بين المخيمات.. قرأوا سويا بعض سور القرآن ثم قام بعض الزملاء للراحة.
كان أغلب جيران المخيم قد استيقظوا وبدأ كثير منهم في التحدث سويا.. لم يشجعه جو المخيم على التركيز في قراءة القرآن والدعاء... أخذ مصحفه والمفكرة التي دوَّن فيها الأدعية التي يريد أن يدعو بها لنفسه ولأحبائه ثم قرر أن يخرج لعله يجد مكانا أكثر هدوءا يمكنه أن يجلس فيه.
كان واهما بلا شك! فشوارع عرفة اليوم تختلف تمام الاختلاف عن أمس.. زحام شديد لا يوصف... مشى إلى جبل الرحمة وسط الزحام.. عندما وصل عند الجبل وجد الزحام مهولا فوق الجبل وحوله من كل الاتجاهات.. متى جاء كل هؤلاء؟!
وقف قليلا يتأمل الوجوه والسلوكيات ثم قرر أن يعود من طريق مختلف لعله يجد مكانا هادئا يسعه، لكنه وجد نفس الزحام في كل مكان.

عاد إلى معسكره بعد أن مشى وسط عشرات الآلاف من الحجيج.. وجد الضجيج قد ازداد في المخيم بعد أن استيقظ الباقون.. خرج يمشي بين المخيمات إلى أن وجد مكانا صغيرا بين عدة مخيمات.. جلس وحده أخيرا... أخرج المفكرة وبدأ يدعو بما فتح الله عليه، ثم قرأ بعض القرآن إلى أن اقترب موعد صلاة الظهر... طلبته زوجته على المحمول ليقرآ سويا ما تبقى لهما من المصحف.. توجه إليها وجلس معها ومع بعض زميلاتها.. ختموا القرآن سويا ودعوا دعاء ختم القرآن إلى أن حان موعد أذان الظهر...

تبعا للسنة سوف يُصلُّون الظهر والعصر قصرا وجمع تقديم ثم يستمعون إلى خطبة يوم عرفة. كان ما وجده من زحامٍ صباح اليوم كفيلا بألا يفكر في الذهاب لمسجد نمرة للصلاة هناك... صلى في مخيم مجاور واستمع إلى خطبة عذبة ودعا مع الحجاج دعاء جميلا ثم عاد إلى مخيمه. هناك وجد بعض زملائه على وشك ختم القرآن... اشترك معهم في قراءة الصفحات الأخيرة من المصحف وفي الدعاء إلى أن اقتربت ساعة الصفر.. الساعة الرابعة عصرا...

كان الحاج عرفة قد وضع خطة مُحكمة للمجموعة للذهاب إلى الأوتوبيس مبكرين في الرابعة عصرا قبل موعد غروب الشمس بحوالي الساعتين. طمأنهم بأن الأوتوبيس لن يتحرك من مكانه قبل الغروب إذ يجب على الحجاج المكوث بعرفة إلى أن تغرب الشمس، إلا أنهم إذا انتظروا لوقت الغروب في المخيمات فسوف يكون من السهل أن يضل كثيرون من المجموعة – وبخاصة كبار السن – طريقهم إلى الأوتوبيس، ويُتركوا في عرفة إلى ما بعد منتصف الليل..
عرفوا فيما بعد أن هذه النصيحة في محلها تماما.

توجه هو وزوجته وبعض الزملاء إلى الأوتوبيس في الموعد المحدد. كان الحاج عرفة قد اتفق مع السائق أن يبقي تكييف الأوتوبيس مفتوحا لأنهم سيقضون به وقتا طويلا.. كان يجلس بجانب زوجته في الثلث الأمامي من الأوتوبيس.
وفي مشهد أصبح مألوفا له وللزملاء، أخرجت زوجته كتابا للدعاء من حقيبتها وأعطته له. بدأ يدعو بصوت منخفض لا يسمعه سواها وهي تؤمِّن وراءه.. كان إحساسهما بالدعاء مختلفا هذه المرة.. فالملائكة يشهدون الآن استعداد الحجيج لمغادرة عرفات... والله يباهي بهم ملائكته... إحساس عجيب يستعصي على الوصف.. أن يعلم أن الله يباهي به الآن الملائكة.. وأنه قد غفر له كل ذنوبه.. ما أروع هذا الشعور... يتجلى له الآن معنى الاصطفاء بشكل واضح جدا... فرغم أنه واحد من عدة ملايين في هذا المكان وفي هذا الموقف المهيب، إلا أنه يشعر بتكريم الله له ولزوجته أن جعلهما ممن يشهدون هذه اللحظة الفارقة في حياة كل منهما.
أخذ يدعو وزوجته تؤمن على دعائه.. فجأة سمع بعض الأصوات الأخرى في الأوتوبيس تردد "آمين" مع زوجته... لم يدرك أن عدد المؤمِّنين وراءه قد أخذ في الازدياد إلا الآن.. كان الأوتوبيس صامتا تماما إلا من صوته داعيا ثم من صوت الآخرين يؤمِّنون على دعائه.. شعر ببعض الارتباك.. ثم تمالك نفسه ورفع صوته قليلا بالدعاء، وبالتالي ارتفع صوت تأمين الرفاق على دعائه.. أثناء دعائه نظر من نافذة الأوتوبيس فوجد الشمس توشك أن تغرب... تملكته رهبة الموقف.. الآن تحين اللحظة الحاسمة.. الآن تُغسل ذنوبه وتتطهر روحه... إحساس مهول.. لم يتمالك نفسه في هذه اللحظة.. بكى بشدة... لم تمكنه دموعه من أن يقرأ الدعاء من الكتاب فتركه وبدأ يدعو بما يفتح الله به عليه... كان يسمع تأمين رفاقه في الأوتوبيس يشق الصمت ويكاد يرج الأوتوبيس.. دعا كثيرا... كان كلما شعر بالتعب وأوشك أن يتوقف عن الدعاء أدرك جلال اللحظة وخصوصيتها فاستمر في الدعاء... كان قد رفع صوته ليصل إلى باقي الزملاء في الأوتوبيس ولكي يتغلب على إحساسه بالخجل كونه في بؤرة الضوء في هذه اللحظات.
بعد فترة توقف عن الدعاء.. ساد الصمت كل الأوتوبيس لوهلة ثم ارتفعت بعض الأصوات تشكره وتدعو له بأن يفتح الله عليه... كاد يذوب خجلا عندما ناداه أحد الزملاء "إمام الدعاء"... كان زميله هذا مبالغا بلا شك، إلا أنه ظل يناديه بهذا اللقب إلى الآن بعد عام كامل من عودتهم من رحلة العمر.

لقد حُفِرت هذه الدقائق – القليلة عددا العظيمة قدرا ومعنى – في وجدانه حفرا.. لم يمر بمثل هذه المشاعر من قبل أبدا. فيضان من المشاعر المختلطة... فرحة عارمة... خجل شديد.. رضا لم يعهده من قبل...
انكمش في نفسه وانتابه شعور يقترب جدا من اليقين بأن الله قد قبِل حجته. لا يدري سببا لذلك إلا أنه كان ممتلئا بهذا الشعور الجميل.
جلس صامتا لفترة ثم بدأ يتمتم بالدعاء في سره.. دعا لكل من تذكرهم.. لوالده ووالدته.. لزوجته وبناته... لأخته وزوجها وأبنائها... لوالدي زوجته وأخويها وأختيها وعائلاتهم.. لأصدقائه القدامى والحاليين.. لزملائه في العمل... لأقاربه على اختلاف درجات قربه منهم... كان أحد الأشخاص يقفز فجأة يقفز من بين ثنايا ذاكرته إلى مقدمة المشهد فيدعو له بما يعينه الله عليه من الدعاء... وبين الحين والآخر كانت دموعه تنساب لتكمل تطهير روحه  وتكتب الحروف الأخيرة من شهادة ميلاده الجديدة... فبنهاية هذا اليوم الفارق قد أصبح حاجا فعلا لا مجازا... فالحج عرفة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.

بعد الغروب بدأ الأوتوبيس يتحرك وسط زحام شديد... طوال الطريق كان هو ورفاقه يرون عددا كبيرا من الحجاج يحملون أمتعتهم ويتلفتون يمينا ويسارا.. هؤلاء ممن ضلوا طريقهم في زحام النفرة من عرفات.. شعر لحظتها بكثير من الامتنان للحاج عرفة ولحنكته في اختيار توقيت التوجه للأوتوبيس مبكرين. أدت نصيحته الغالية تلك إلى وجود المجموعة بأكملها في الأوتوبيس دون أن يتخلف منهم أحد، كما كانت فرصة عظيمة للدعاء سويا في جو روحاني جميل بعيدا عن ضجيج الخيام وقلق أن يغادر الأوتوبيس بدون أحد من مجموعتهم.

سار الأوتوبيس ببطء وسط الزحام.. كان جميع من في الأوتوبيس يُلَبُّون... وصلوا إلى مزدلفة بعد فترة.. من السنة أن يصلوا المغرب والعشاء جمعا وقصرا في مزدلفة.. نزلوا من الأوتوبيس وتوضأ من كان يحتاج منهم إلى الوضوء.. حين توجهوا للصلاة دفع به الحاج عرفة ليؤم المجموعة في صلاتي المغرب والعشاء... يا له من تكريم لا يستحقه! حاول إثناء الحاج عرفة عن هذا الاختيار إلا أنه أصر على تقديمه للإمامة... صلى بالناس إماما ثم ذهبوا جميعا لجمع الحصى الذي سيستخدمونه في الرجم في الأيام المقبلة...

قضوا جزءا من الليل على الحدود بين مزدلفة ومنى، ثم توجهوا إلى منى لينتهي يوم مشهود سيظل عالقا في ذهنه بكل تفاصيله لوقت طويل... يوم أن وُلِدَ من جديد...

Tuesday, November 15, 2011

كل القرى في أم القرى


{وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} سورة الحج الآية 27.
أن يقرأ أو يسمع هذه الآية شيء، وأن يعيشها ويكون جزءا منها شيء آخر تماما. هكذ كان يشعر هو – كما أوضح من قبل – كلما سمع أو قرأ آية من آيات الحج... إلا أن هذه الآية تتجلى بصورة لا يمكن أن يخطئها بشر... {من كل فج عميق}...

سىافر هو عدة مرات من قبل إلى عدد من المدن التي يمكن أن يطلق عليها المدن الكوزموبوليتانية.. تلك المدن التي تختلط فيها الجنسيات والأفراد... مدن مثل لندن، أو دبي، أو نيويورك.. في مدن مثل هذه يكون طبيعيا أن ترد إلى سمعه لغات متعددة يألف بعضها ويستغرب البعض الآخر... إلا أن الشعور مختلف هذه المرة... هنا أناس من كل أنحاء العالمم... من كل فج عميق بالفعل... أتوا يجذبهم بهاء الكعبة ويطلبون عفو الله... أتوا تحقيقا لوعد الله لسيدنا إبراهيم عليه السلام.

كان وجوده فترات طويلة في الحرم وفي ساحاته فرصة له ليتأمل أحوال الجنسيات المختلفة. يا له من إحساس جميل أن يرى كل هؤلاء المسلمين من كل أنحاء الأرض.. إحساس بالاستئناس بهم جميعا.. فثمة رابط خفي يربط الجميع هنا... ابتسامات متبادلة حين تلتقي النظرات.. ابتسامات تقطع وحشة اخنلاف الألسنة، وتُذكِّر الجميع بوحدة العقيدة رغم كل الاختلافات – بل والخلافات.

عندما يعتاد الإنسان نعمة ينسى مع مرور الوقت أنها نعمة ومنحة من الله، ويعتبرها شيئا مُسَلَّما به، إلى أن يتعرض لموقف تتجلي فيه حقيقة كون هذه النعمة منحة وليست حقا مكتسبا..
ينطبق ذلك على من يرى شخصا مكسور الساق فيعرف أن ساقه وقدرته على الحركة منحة تستحق الشكر، أو على من يصيبه مرض يرقد بسببه بعض الوقت غير قادر على الحركة ويعلم علم اليقين حينها أن صحته منحة من الله تستحق الشكر الجزيل..
هناك – في مكة – تجلى له هذا الخاطر فيما يخص نعمة اللغة العربية.. فهو عربي الأب والأم واللسان... يقرأ ويكتب و"يفهم" العربية بلا مشقة، ومن ثم لا يجد بأسا في قراءة القرآن أو الدعاء... ويا لها من نعمة كبيرة بالفعل.

حين كان يطوف مع زوجته طواف القدوم في اليوم الأول لهما بمكة، وأثناء وجودهما وسط بحر البشر بالقرب من الكعبة، سمع صوتا عذبا يدعو بالعربية بصعوبة بالغة.. نظر ناحية الصوت فوجد رجلا أربعينيا تنبئ ملامحه بانتمائه إلى وسط آسيا.. وجد في يد الرجل كراسة صغيرة يقرأ منها الدعاء... استغرب أن يكون هذا الرجل يقرأ العربية.. استرق هو بعض نظرات إلى الكراسة فوجدها مكتوبا فيها باليد أشكالا عجيبة بلغة لم يرها من قبل. فقد كان هذا الحاج قد كتب من قبل منطوق الأدعية العربية بلغته وظل يقرؤها طوال طوافه.. لم يتمالك نفسه عندما رأى هذا المشهد.. هو.. الذي يدعو وتؤمن زوجته وراءه... يدعوان بعربيتهما الطلقة، ويفهمان تماما ما يدعوان به، بينما يجتهد هذا الحاج اجتهادا شاقا لكي ينطق كلمات – هو غالبا لا يفهمها تمام الفهم – لكي يتقرب إلى الله. يا لها من نعمة عظيمة أن يكون لسانه عربيا..

تكرر هذا المشهد مرات عديدة فيما بعد، إلا أن إحدى المرات كانت من نصيب زوجته.. عند وصولهما للحرم قبل صلاة الفجر في أحد الأيام لم يستطع هو وزوجته أن يجلسا متجاورين.. جلست زوجته وسط النساء على مسافة عدة أمتار من مكانه.. جلس هو وسط الرجال يقرأ في مصحفه، وكان كل فترة يمد رأسه ليطمئن على وجود زوجته في مكانها. في إحدى المرات التي نظر فيها تجاه زوجته رأى سيدة كبيرة السن تجلس بجوار زوجته وتنظر إليها بود شديد وتمسح كتف زوجته وظهرها ويشرق وجههما – السيدة وزوجته – بابتسامتين صافيتين.
علم بعد الصلاة أن هذه السيدة تركية، وأنها عندما رأت زوجته تقرأ في المصحف أخرجت من جيبها كتيبا صغيرا به سورة (يس) وفتحته وأشارت إلى زوجته على الصفحة الأولى منه.. فهمت زوجته أن السيدة تريد منها أن تقرأ لها السورة لأنها لا تستطيع قراءة العربية. بدأت زوجته في القراءة من الكتيب، وكانت السيدة تكرر ما تقرؤه زوجته.. وبعدها لم تتمالك السيدة نفسها من الفرحة، واعتبرت زوجته من الأولياء لمجرد أنها استطاعت قراءة القرآن بالعربية بطلاقة، فمسحت كتفها وظهرها للتبرك بها!

في موقف آخر بين صلاتي المغرب والعشاء، جلس إلى جوارهما – زوجته وهو – شاب تركي وزوجته. أخرجت الزوجة التركية من حقيبتها مصحفين وبدأ الزوج التركي يقرأ من مصحفه.. لم يستطع هو منع نفسه من النظر في مصحف جاره فوجده مكتوبا بالعربية.. استأذن جاره في أن يقطع قراءته قليلا وسأله إن كان يتحدث الإنجليزية، فرد الجار بالإيجاب. سأله بالإنجليزية إن كان يستطيع قراءة المصحف باللغة العربية، فرد الرجل التركي بأنه يستطيع بالفعل القراءة والنطق باللغة العربية إلا أنه لا يفهم إلا قليلا مما يقرأ.

كانت تلك المواقف وغيرها فرصة حقيقية لهما لكي يعرفا عِظَم نعمة اللسان العربي الذي أنعم الله به عليهما...

وبتكرار وجوده في الحرم كان يرى أجناسا مختلفة.. العدد الأكبر من الحجيج كانوا من مواطني تركيا وإيران...
لفت نظره الحجاج الأتراك.. يلبسون زيا موحدا لونه وردي فاتح مبهج يضفي على ملامحهم الدافئة دفئا إضافيا. وكان يحب أن يرى كبار السن منهم.. فهم غالبا ما كانوا يبتسمون بود حقيقي في وجه من يقابلهم.. كان الأتراك عادة ما يمشون في مجموعات.. يرى مساحة متحركة من اللون الوردي فيعلم أنها مجموعة من الأتراك.
كان وجودهم هادئا.. فلم يكونوا يحدثون جلبة كبعض الجنسيات الأخرى.. كما أنهم يتسمون بنظافة بالغة.. فعندما يتناولون بعض الأطعمة أو الفواكه في الحرم أو في ساحاته كانوا يتركون المكان نظيفا للغاية، عكس بعض الآخرين.

الماليزيون أيضا منظمون جدا... كان أغلب الحجاج الماليزيين من صغار السن بعكس الأتراك. عرف فيما بعد أن رحلة الحج من هدايا الزواج في ماليزيا.. عندما يتزوج شاب وفتاة هناك تكون هديتهما رحلة الحج..
كان يحب أن يرى الماليزيين أثناء طوافهم.. قطار طويل به من الأمام أربعة أو خمسة من الرجال، وفي الصفوف التالية يوجد رجل في اليمين ورجل في اليسار ووسطهما توجد سيدتان أو ثلاث، وهكذا إلى أن ينتهي القطار البشري بأربعة أو خمسة رجال أيضا. هو إذن مستطيل من النساء محاط بسور من الرجال...
ترتدي كل نساء المجموعة الماليزية خمارا ذا لون موحد، غالبا ما يكون لونا فاتحا، كما يضعن على رؤوسهن فوق الخمار علامة مميزة – قد تكون زهرة صناعية ذات لون متفق عليه أو شريطة من القماش بلون موحد – بهدف تسهيل الوصول إلى بعضهن البعض من على البعد، إذ أنه من السهل أن يفقد المرء مجموعته وسط هدير أمواج البشر في الحرم.

كان يستعذب رؤية الماليزيين أثناء الطواف. في إحدى المرات التي كان يطوف فيها في الصحن صادف إحدى المجموعات الماليزية تتأهب لبدء الطواف. كان لهم قائد واحد.. أشار إليهم فنزل القطار المنتظم عدة سلمات إلى الصحن ثم أشار لهم القائد إشارة البدء فدخلوا وسط جموع الطائفين محافظين على وحدة مجموعتهم.

كان يحب أيضا أن يراهم من مكان مراقبته للكعبة من الدور العلوي.. كان يرى مستطيلا منتظما بلون موحد – هو لون الخُمُر. ويظل هذا المستطيل الموحد متماسكا ومنتظما طوال أشواط الطواف السبعة.

هؤلاء قوم تربوا ونشأوا على أهمية النظام. لا يعتبرون النظام قيدا فيفرون منه، بل يعتبرونه ميزة فليتزمون به.

ولا مفر من المقارنة هنا، فقد كان هو وبعض رفاقه قد تحدثوا مع الحاج عرفة أثناء الرحلة من جدة إلى مكة وطلبوا منه أن يقود مجموعة منظمة من فوجهم وأن يرشدهم إلى عمل الشعائر مجتمعين، إلا أن الحاج عرفة رفض بحزم وأخبرهم بأنه قد حاول عمل ذلك في مرة سابقة إلا أنه لم يجد إلا عددا قليلا جدا من الملتزمين بالنظام. أخبرهم أنه في تلك المرة خرج من الفندق لأداء عمرة القدوم على رأس مجموعة تضم حوالي ثلاثين حاجا، وعاد إلى الفندق بعد ساعات طويلة وبصحبته ثلاث حجاج فقط، فقرر ألا يفعل ذلك مرة أخرى أبدا!

الحجاج الإندونيسيون منظمون أيضا.. ولهم طريقة جيدة وفعالة لعدم خلط حقائبهم. لكل منهم حقيبة كتف تحوي أوراقه وبعض لوازمه. للحقائب كلها نفس الشكل والحجم، إلا أنها تحتوي على جيب بلاستيكي شفاف في إحدى جهتيها. بداخل الجيب الشفاف توجد ورقة مطبوع عليها اسم الحاج وصورته ورقم رحلتي الطيران وبعض البيانات الأخرى.
بهذه الطريقة لا يمكن أن يأخذ الحاج حقيبة تخص حاجا آخر، وحتى إذا حدث ذلك فيمكن اكتشاف الخطأ بسهولة وإعادة الحقيبة إلى صاحبها.
فكرة بسيطة ولكنها فعالة، وتنم أيضا عن عقول منظمة...

وبالإضافة لإعجابه بالنظام الذي تتسم به جنسيات معينة، كانت رؤية حجاج من جنسيات معينة تؤثر فيه.. تأثر لرؤية الحجاج الصينيين.. لم يكونوا يتحركون في مجموعات كبيرة العدد مثل الماليزيين أو الأتراك.. كان الصينيون في الغالب يمشون في مجموعات قليلة العدد مكونة من حاجين أو ثلاثة حجاج.. يرتدون زيا بسيطا مكتوبا عليه باللغة العربية "الحاج الصيني". كان كل من رآهم من الصينيين كهولا جاوزوا السبعين. كانت لحاهم غير الكثيفة مع ملامح وجوههم الدقيقة تضفي عليهم جميعا جمالا ورقة يقربانهم من وجدانه..

رأى أيضا حاجين شابين من ألمانيا... كانا مهندمين للغاية رغم بساطة ملابسهما. يقرآن القرآن بصوت لم يمكنه سماعه إلا أنهما كانا منهمكين في القراءة.

كان عدد الحجيج من الدول الأفريقية كبيرا نسبيا... أعلام دولهم مطرزة على ملابسهم بألوانها الزاهية... استطاع أن يميز أعلام الكاميرون والنيجر ونيجيريا.. في الغالب كانت وجوههم ذات الملامح الأفريقية المميزة مبتسمة وتشع ودا حقيقيا...كان يستأنس عندما تقطع نظراته نظرات أحدهم فيبتسم قائلا "السلام آليكم" بود حقيقي.

أما الشعوب العربية، فكان أقربهم إلى قلبه في هذه الرحلة الحجاج السوريون.. لفت نظره أنهم منظمون للغاية.. يتحركون ويجلسون في مجموعات منظمة..
في بعض المرات التي طافا أو سعيا فيها كانا يلتقيان بمجموعة سورية تطوف بقيادة شيخهم. كان يدعو والمجموعة تؤمن وراءه. كم كان دعاؤهم عذبا رقيقا. كان هو  وزوجته ينضمان للمجموعة السورية ويدعوان معهما ويستعذبان الجو الروحاني الدافئ الذي يغلف لهجتهم.
في إحدى المرات التي كان يطوف فيها مع زوجته في الدور العلوي وجدا مجموعة سورية تجلس بجوار السور. كان قائد المجموعة ينشد قصيدة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم بصوت عذب للغاية، وكانت المجموعة تردد وراءه بعذوبة لا تقل عن عذوبته.. طوال أشواط الطواف كانت محطة راحتهما – زوجته وهو – عند هذه المجموعة... تارة يجدانهم ينشدون، وتارة يدعون، وتارة يستمعون لقائدهم يشرح لهم إحدى قصص السيرة.

اكتشف مع الوقت أن ما يأسره هو النظام وعذوبة الصوت.. كان ذلك يشده شدا أن ينضم لهذه المجوعة أو تلك، أو حتى أن يتلصص من بعيد...
نعم إنه النظام... تلك الفضيلة الغائبة...

وفي بعض فترات الهدوء في الحرم، والتي غالبا ما تكون بين صلاتي الظهر والعصر أو بين العصر والمغرب، كان عدد المتواجدين في الحرم من غير الطائفين يقل بصورة ملحوظة.. كان ذلك يعطيه فرصة أكثر عمقا للتأمل في الموجودين... وكم كان يسعد ويستبشر حين يرى أناسا يشبهون أحد أصدقائه أو أقاربه.. كان يفرح بذلك ويرسل رسالة لهذا الصديق من تليفونه يبشره فيها بأنه رآه في الحرم.. وكان يسعد للغاية بالردود المبتهجة التي تصله منهم.

كما لفت نظره أيضا أن يمر فجأة بخاطره أحد معارفه – المقربين أو غيرهم –أثناء وجوده هناك.. كان يشعر أن تلك إشارة لكي يدعو له أو لها، وكان يمتن لهذا الخاطر ويستعجب من تقدير الله.

وهكذا فإن هذه الرحلة كانت فرصة جيدة له أن يرى كل هؤلاء الناس يعبدون الله.. كل بلغته وبطريقته... كان فرصة أن يرى ويتذوق معنى {من كل فج عميق} يتجسد أمامه، ويحمد الله كثيرا أن اختاره ليكون من بين هؤلاء.. آمنا ومستأنِسا وممتنا...

أذان الفجر


أثناء تواجده في الحرم المكي، كان إحساسه عجيبا بالأذان. قبل الحج، كان سماع أذان الحرم المكي يلمس روحه ويبهجها. كان يسمعه أحيانا في الراديو، وأحيانا في التليفزيون. كما أنه كان يضعه في برنامج مواقيت الصلاة على جهاز الكمبيوتر.

مازال يذكر عندما كان في دورة تدريبية لمدة شهرين في كوريا الجنوبية عام 2003. كان قد حمَّل على جهاز الكمبيوتر المحمول برنامجا لإخباره بوقت الصلاة في المدينة التي سيقيم بها هناك، وضبط البرنامج لكي يؤذن بأذان الحرم المكي عندما يحين وقت الصلاة.
جمعت الدورة التدريبية متدربين من ست دول من بينها المملكة العربية السعودية. وكان أحد المتدربين السعوديين من أهل مكة المكرمة. وفي أحد الأيام بعد حوالي أسبوعين من وصولهم إلى كوريا حان موعد أذان الظهر فانطلق صوت أذان الحرم من الكمبيوتر... فوجئ هو برد فعل زميله المكي.. انفجر الرجل في بكاء طويل ثم عاتبه قائلا: "سامحك الله يا أخ عمرو... لقد أشعلت الحنين في قلبي للحرم ولأذان الحرم". لم يكن يدري هو وقتها الارتباط العجيب بهذا الأذان المتفرد، ولكن ها هو الآن يلمس هذه العلاقة الجميلة والحب الدافق لهذا الأذان.

في كل مرة كان يسمع فيها الأذان في الحرم المكي كان يتذكر زميله المكي. فهو الآن يلمس الارتباط بالأذان جليا.. فقد كان هذا الأذان الجميل يلمسه جدا. يلمس ثنايا روحه.. يملأ وجدانه بالترقب والرهبة..

كان ذلك يحدث في كل مرة يسمع فيها الأذان أثناء وجوده في الحرم..
إلا أن وقع أذان الفجر عليه كان مختلفا وأكثر قوة وعمقا لسبب لا يعلمه..
كان كلما سمع أذان الفجر في الحرم تنساب دموعه لا إراديا... بمجرد بدء المؤذن بقول الله أكبر في وسط ظلمة الفجر... يا الله! شعور عجيب كان ينتابه... يشعر بالأذان يخترق روحه ويتغلغل فيه... شعور مفاجئ في كل مرة... لم يعتد هذا الشعور ومن ثم لم يفقد أذان الفجر في الحرم خصوصيته عنده.

حاول عدة مرات أن يجد سببا ملموسا لذلك إلا أنه لم يتوصل إلى أي سبب..
فما أن يبدأ المؤذن في النداء لصلاة الفجر حتى تنتابه حالة عجيبة.. يبكي بشدة وبتأثر شديد.. لم تكن دموعه هذه دموع فرحة ولا دموع ندم.. كان يشعر بضآلته الشديدة أثناء أذان الفجر.. يرى نفسه نقطة تكاد لا تُرى في هذا العالم اللانهائي... شعور عجيب بضآلة الأشياء التي كان – وما زال – يعتبرها هامة...

يتملكه هذا الإحساس منذ بداية الأذان وحتى نهاية صلاة الفجر.
حتى أثناء الصلاة كان تركيزه فيما يقرؤه الإمام شديدا..
كانت دموعه تنساب بلا تحكم وبلا سبب واضح، إلا أنه كان يخرج من صلاة الفجر أكثر شفافية وصفاء، كما لو كانت تلك الدموع تغسل روحه بلطف مرة بعد مرة..

كم هي لحظات جميلة بالفعل... اشتاق إليها كثيرا بعد عودته من هناك، وسأل الله كثيرا أن يعيده مرات ومرات...

نوع من ثلاثة


كانا قد وصلا إلى مكة قبل أيام كثيرة نسبيا من موعد بدء شعائر الحج، واستمرا فيها بضعة أيام أخرى بعد إتمام شعائر الحج، مما أعطاهما فرصة جيدة للمكوث في الحرم المكي فترة طويلة والاستئناس بالكعبة وبزوار البيت العتيق.
كما كان لموقع فندقهما دور جيد في هذا الصدد.. فكما عرفنا من قبل، كان فندقهما يقع إلى الشرق من الحرم في نهاية نفق يصل منطقة العزيزية بالمسجد الحرام. ولذلك فإن الطريق من الفندق إلى المسجد الحرام لا يمر سوى بهذا النفق.. لا توجد محلات تسوق كبيرة كالتي توجد في الاتجاهات الأخرى من وإلى الحرم. ليست هناك سوى بعض محلات البقالة أو المطاعم الصغيرة بالإضافة إلى عدد محدود جدا من المحلات التي تعرض بضائع قليلة..
كان لذلك أثر إيجابي عليه هو وزوجته فتفرغا تفرغا شبه كامل للعبادة وقراءة القرآن، علما بأن هذا البُعد عن أماكن التسوق لم يمنع زملاء آخرين من اعتبار رحلة الحج رحلة كبرى للتسوق، فكان هؤلاء الزملاء يتنقلون بين أركان مكة المختلفة بحثا عن أماكن جديدة للتسوق، بل إن بعضهم ذهب بالفعل إلى جدة لقضاء يوم أو يومين هناك في "المولات" الكبرى.

ولعل الفضل في ذلك الاطمئنان والانقطاع شبه الكامل الذي انقطعاه للاتصال بالله في البلد الحرام يعود – ولو جزئيا – إلى إحدى زميلاته في العمل. كانت زميلته قد حجت في العام السابق وعرضت عليه أن تتصل بها زوجته لتسدي إليها بعض النصائح قبل ذهابهما في رحلة العمر. قالت لزوجته في التليفون إنها اكتشفت أثناء حجها أن الحجاج ثلاثة أنواع: نوع ذاهب للحج وعبادة الله، ونوع آخر ذاهب للتسوق، ونوع ثالث ذاهب للحديث واللغو وربما لاكتساب ذنوب الغيبة والنميمة في أطهر بقاع الأرض. قالت الزميلة لزوجته إن عليهما أن يختارا أي الأنواع يريدان أن ينتميا إليها.

كان برنامجهما اليومي في كل الأيام التي قضوها في مكة قبل وبعد أيام الحج برنامجا ثابتا تقريبا. كانا يصليان أغلب الفروض في المسجد الحرام. يذهبان بالأوتوبيس إلى صلاة الفجر قبل الفجر بحوالي الساعة ويختاران مكانا متقدما في أحد الأدوار العليا يمكنهما منه رؤية الكعبة ثم يجلسان ليقرءا القرآن سويا. كانا قد انتويا أن يختما قراءة القرآن سويا مع بعض الزملاء يوم عرفة، فكانا يقرآن سويا في المسجد الحرام ويقرآن منفردين في غرفتيهما في الفندق.
كانا إذا جلسا متجاورين في المسجد الحرام قام هو بترتيل القرآن بصوت يمكنها هي سماعه ومتابعة ما يقرأ من مصحفها. أما إذا جلسا في مكانين منفصلين كان كل منهما يقرأ ما ييسره الله له ثم يخبران بعضهما عندما يلتقيان بمكان توقف كل منهما لكي يقرأ المتأخر القدر الذي يجعله يصل إلى ما قرأه المتقدم ليستأنفا القراءة سويا مرة أخرى.
كانا يقرآن القرآن إلى أن يحين موعد أذان الفجر ثم يصليان الفجر مع عُمَّار البيت الحرام ثم يعودان لقراءة القرآن حتى وقت شروق الشمس.

يضفي الوجود في بعض الأماكن، أو كون الشخص جزءا من منظومة ما، يضفي أبعادا جديدة على ما يفعله وعلى ما كان قد اعتاد فعله. تجلى له ذلك عند قراءة أو سماع القرآن.. فكلما كان يقرأ هو – أو يقرأ الإمام في الصلوات الجهرية – آية من آيات الحج أو الآيات التي تتحدث عن البيت الحرام، كان إحساسه بمعنى هذه الآيات مختلفا عن كل المرات الكثيرة التي قرأ أو سمع فيها هذه الآيات من قبل. أصبح هذا التذوق المختلف والأعمق مصاحبا له حتى بعد عودته من رحلة العمر. كان "يرى" الآيات متجسدة أمامه. يا له من شعور يستعصي على الوصف أن يجد المرء نفسه جزءا من آية في كتاب الله! يا لضخامة هذا الحدث وهذه المشاعر. في كل مرة كان يسمع هذه الآيات كانت تتجلى له معانٍ مختلفة وأكثر عمقا، وكان يستغرب كيف لم يرَ أو يشعر بهذه المعاني من قبل. هل هي حالة الصفاء التي تغمره منذ وصل إلى هنا؟ أم هي تجليات المكان على المعاني؟ أم هو خليط من كليهما؟ لا يدري على وجه التحديد أي سبب هو، إلا أنه يعي بكامل وعيه  أن هذا التدبر والانغماس في معاني القرآن لم يكن أبدا بهذا العمق والتأمل والتوحد من قبل.

في الأوقات التي لم يكونا يقرآن فيها القرآن كانت زوجته تُخرج من حقيبتها أحد كتب الأدعاء التي أحضرتها من مصر وتدعو بما فيها. كثيرا ما تندر زملاء الحج بأ زوجته تستخدم "الكتب الخارجية" في الدعاء تختلف عن "كتب الوزارة" التي تم توزيعها في المطار قبل السفر. وقد كانت هذه الكتب بما فيها من دعاء جامع أو أدعية خاصة بكل نسك فاتحة خير عليهما بل وعلى كثير من الزملاء في يوم عرفة كما سيتضح لاحقا.

بعد الشروق كانا يعودان إلى الفندق لتناول الإفطار والنوم حتى صلاة الظهر. وتبعا لحالتهما البدنية كانا يصليان الظهر إما في المسجد القريب من الفندق أو في المسجد الحرام. كانا إذا صليا الظهر في المسجد الحرام ينتظران هناك للعصر، وإذا صليا الظهر عند الفندق يذهبان لصلاة العصر في الحرم.

المغرب والعشاء هما الفرضان الذان لم يصلياهما خارج الحرم أبدا طوال وجودهما في مكة، فقد كان وقت المغرب يحين بعد أن ينالا قسطا كافيا من الراحة، كما أن انكسار الشمس كان مشجعا على التواجد في الحرم لفترة طويلة نسبيا من قبل المغرب بحوالي نصف الساعة إلى ما بعد العشاء بساعة ونصف. وكانا غالبا ما يقضيان هذه الفترة في الدور العلوي غير المسقوف من الحرم، وغالبا ما كان مكانهما المفضل بالقرب من مئذنة جبل الصفا، وهو المكان الذي اكتشفه خالد وزوجته وأهل زوجته وأصبح مكانا للقاء ورؤية الكعبة من أعلى نقطة في المسجد الحرام.

لم يكن نشاطهما في المسجد الحرام يقتصر فقط على قراءة القرآن والدعاء. فقد علما قبل السفر أنه يمكنهما الطواف حول الكعبة طواف تطوع دون أن يكون ذلك الطواف نسكا من نسك الحج أو العمرة. كما علما أن النظر إلى الكعبة عبادة أيضا.. كانا يطوفان سويا كل بضعة أيام، وكان طواف التطوع أيسر على النفس وعلى البدن من طواف النسك. هكذا كان يشعر. كان يطوف بمزيد من الاستمتاع. كان إحساسه بأنه يؤدي ما يؤديه تطوعا يعطي له فرصة أعمق لتأمل المكان والبشر.

طافا – زوجته وهو – في كل الأدوار سويا. طافا في الصحن – حيث الزحام الشديد – عدة مرات، كما طافا في الدور الأول حيث الزحام أقل نسبيا إلا أن الشوط يطول جدا – مسافة ووقتا – عن الطواف في الصحن. كما طافا في الدور الأخير غير المسقوف وخاصة عندما كانا يطوفان ليلا.

قبل الانصراف من المسجد الحرام، وخاصة بعد الشروق وبعد العشاء، كانا يقفان عند سور الدور الذي صليا فيه ويتأملان الكعبة ويملآن أعينهما وقلبيهما وروحيهما بها وبالطائفين حولها. كانا يطيلان النظر إلى الكعبة.. كان الصمت أبلغ ما يمكن قوله في هذه اللحظات الجليلة الجميلة.
بعد قليل من النظر إلى الكعبة من مكان علوي تتماهي التفاصيل ويصبح المشهد نابضا حيا كما لو كان خلية حية مكبرة تحت المجهر.. الكعبة ببهائها في منتصف المشهد، وحولها نبض لا ينقطع ودوران لا يتوقف.. تمايل الطائفين يمينا ويسارا نتيجة مشيهم في حيز ضيق وسط الطائفين الآخرين يعطي المشهد نبضا حيا مما يجعل بساط الطائفين يبدو وكأنه عملاق ينبض – بالمعنى الحرفي والمجازي – بالحياة الدائمة التي لا تتوقف.
سبحان من ألقى حب هذا البيت في قلوب المسلمين الذين رأوه والذين لم يروه بعد. سبحان من يسَّر – بل وحبب أيضا – الطواف بما فيه من مشقة.. سبحان من جعل زيارة هذا البيت حلما دائما لمن زارها ولمن لم يزرها، سواء كان فقيرا أو غنيا، صحيحا أم مريضا..

في بعض الأوقات، وحين كان يبلغ منه التعب مبلغه، كان يستلقي على ظهره وينغمس في تأملاته.. وسواء كان استلقاؤه هذا على سطح المسجد حيث لا سقف سوى السماء، أو في الدور الأول المسقوف، كان يشعر بأمان شديد وألفة جميلة تربطه بهذا المكان.. شعور جميل يشبه شعور شخص متعَب يستلقي في نهاية يومه على سريره الخاص. السرير الذي يشعر فيه بالحميمية وليس سريرا في فندق مثلا..
هناك بالفعل رباط عجيب نشأ بينه وبين هذا المكان الأثير.. يشعر بألفة شديدة يستغربها بسبب وجوده هنا لفترة لم تتعدَّ بضعة أيام، وهو الذي لا يألف الأماكن ولا الأشخاص بسرعة. أليست تلك الألفة وذلك الشعور بالأمن هي مصداق قوله تعالى في سورة القصص: {أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا}. منتهى الأمن رغم الزحام وتعدد الأجناس. سبحان الله.

وبقدر ما كان البقاء في الحرم فرصة للتعبد والاتصال برب العالمين، بقدر ما كان فرصة للتأمل في الأجناس المتعددة التي تملأ الحرم.. ولعل هذا التنوع يصلح لأن يكون مادة خصبة لفصل منفصل في هذه الرحلة البديعة..

Thursday, November 10, 2011

الحب من أول نظرة


وصل الفوج إلى الفندق، وقضى الجميع بعض الوقت في وضع أمتعتهم في الغرف المخصصة لهم. اتفق مع زوجته على أن يتقابلا بعد حوالي ساعة لكي يذهبا سويا إلى المسجد الحرام للمرة الأولى...
كان موقع فندقهما إلى الشرق من المسجد الحرام، وكان يفصل بين الفندق وبين المسجد الحرام نفق طوله حوالي كيلو متر وربع. تقابلا سويا – زوجته وهو – خارج الغرفتين المتجاورتين اللتين يقيمان بهما مع باقي الزملاء والزميلات. نزلا سويا واستقلا الأوتوبيس الذي سيقلهما إلى الحرم.
المنظر الغريب الآن – والذي سيعتاده بعد أيام قليلة – هو تعدد الأجناس في كل مكان.. في الشارع.. في الأوتوبيس.. وبالطبع في الحرم.

وصل الأوتوبيس بعد دقائق قليلة إلى الموقف الذي يقع في نهاية النفق. ترجلا وسارا مع السائرين نحو المسجد الحرام.
الطريق من موقف الأوتوبيس إلى المسجد الحرام يمر بجوار أحد الجبال المحيطة بالحرم. بعد أنا مشيا عدة أمتار بجانب الجبل، فوجئا بحائط شاهق الارتفاع يواجههما، وأمامه ساحة كبيرة رخامية الأرضية وبها خطوط غامقة مستديرة قليلا توضح اتجاه القبلة. يا إلهي! ما هذه الرهبة التي يشعر بها؟ يا له من إحساس بالضآلة أمام هذا المبنى شاهق الارتفاع. لم يكن يتوقع أن يكون الحائط بهذا الارتفاع الكبير.

طلبت منه زوجته أن ينتظرها قليلا لتتوضأ. مشيا إلى مكان قريب من نهاية الحائط الكبير إلى أن وجدا مكان الوضوء المخصص للسيدات.. انتظرها بالخارج إلى أن تنتهي من الوضوء.
أثناء انتظاره انشغل بمراقبة الناس الآتين من كل فج عميق.. إحساس يلازمه الآن وسوف يستمر معه في عدة مواقف أثناء رحلة العمر هذه... إحساس عدم التصديق... هل هو بالفعل في هذه الأماكن ووسط هذه الأحداث، أم أنه يحلم حلما جميلا لا يود الاستيقاظ منه؟
بعد دقائق عادت زوجته من مكان الوضوء فتوجها سويا نحو الباب الموجود في أقصى يمين الحائط الكبير...

يخفق قلبه الآن بشدة.. حالة من التأهب تسيطر عليه.. كان قد علم أن له دعوة مستجابة عند رؤية الكعبة للمرة الأولى.. كان يراجع في سره ما يريد أن يدعو به.. وكلما اقتربا من الباب كلما زاد خفقان قلبه.. خليط من المشاعر انتاب كيانه كله... ترقب.. امتنان.. إحساس بالضآلة.. استحضار للذنوب... طمع في رحمة الله...

بعد دقيقة تقريبا وصلا إلى الباب.. خلعا نعليهما وحملاهما ودخلا...
كانا يتوقعان أن يريا الكعبة.. إلا أنهما لم يرياها..
وجدا نفسيهما فوق جسر ضيق يعبر فوق الكثير من الحجاج الذين يلبسون ملابس الإحرام ويمشون في اتجاه مستقيم يمر من تحت هذا الجسر الذي يقفان عليه.. أدرك الآن أنهما فوق المسعى بين الصفا والمروة.. فقد دخلا من باب المروة الذي يقع في نهاية المسعى... كان الحائط الذي رأياه إذن لحظة وصولهما هو حائط المسعى، ولذلك كان مستقيما وطويلا..
بعدما تيقن أن هذا هو المسعى وأن هؤلاء هم الساعون بين الصفا والمروة ازدادت رهبته... ها هما – زوجته وهو – بالفعل وسط الحجيج الذين يؤدون جزءا من المناسك إذ يسعون سعي عمرة القدوم.. عدد الناس الكبير، وانتظامهم في السعي، ومكان مراقبته لهم من الجسر العلوي، كل ذلك أضاف مزيدا من الرهبة إلى الموقف..
بعد لحظات من الرهبة ابتسم ابتسامة رضا وحمد الله على وجوده في هذا المكان وسط هؤلاء الحجيج، وتذكر كلمات الحاج عرفة في الأوتوبيس من جدة إلى مكة حينما أخبرهم أن الحج اصطفاء من الله لعباده.. فالله سبحانه هو من اختار الحجيج ليأتوا لأداء الشعائر.. زاده إحساس الاصطفاء هذا رضا ممزوجا بالخجل من الله.

بعد أن عبرا سويا الجسر الصغير فوق المسعى وصلا إلى باب آخر في نهايته أوصلهما مرة أخرى إلى الخارج، ثم وجدا بابا إلى اليسار مكتوبا عليه (باب الفتح) وتعلوه مئذنتان كبيرتان...
لقد حانت اللحظة إذن... الآن تيقن من أنه لا يفصله عن رؤية الكعبة – لأول مرة – سوى هذا الباب...
صعدا عددا من السلالم ليدخلا من الباب... كان يتوقع أن يجد الكعبة كاملة أمام عينيه بمجرد أن يدخل من الباب، إلا أنه لم يرها بعد.
كان عدد من عُمَّار المسجد الحرام جالسين على أرض المسجد الحرام تحت الكثير من الأعمدة.. تلفت يمينا ويسارا... مد بصره بين الأعمدة، ثم تلفت يمينا ويسارا مرة أخرى قبل أن يدرك أنه ربما قد رأى ما يبحث عنه بصره وقلبه.. مد بصره للأمام مرة أخرى فوجدها...
يا إله العالمين!! وجد لونا أسود زاهيا ومزخرفا بنقوش ذهبية وفضية.. أهذه هي؟! نعم.. إنها هي..
استوعب بعد لحظات أنه يرى – ولأول مرة في عمره – جزءا من الكعبة المشرفة... انتابته عاصفة من المشاعر... تلعثمت شفتاه وهو يحاول أن يتمتم بالأدعية الني كان قد انتوى أن يدعو بها عند رؤية الكعبة.. سالت دموعة بلا أي قدرة له على التحكم فيها.. صراحة لم يكن يريد أن يتحكم هو فيها.. صفاء لا نهائي اجتاح كل كيانه.. تسمر في مكانه للحظات، ثم عاود المسير تجاه صحن المسجد المكشوف... تجاه الكعبة..
لم يرد أن يخبر زوجته بما رآه.. فكر أنه قد يكون إحساسها أعمق إذا رأت الكعبة فجأة كما رآها هو فجأة.. وعندما أخرجت من حقيبتها كتيبا يحتوي على بعض الأدعية وفتحته وبدأت تقرأ منه عرف أنها رأت الكعبة... نظر في وهجهها في هذه اللحظة فوجده صافيا ووجد الدموع تترقرق في عينيها... أخذ كل منهما يدعو بما فتح الله عليه وهما سائران متوجهان نحو الكعبة...

لم يكن المسجد مزدحما في هذا الوقت... كان متبقيا حوالي ساعتين قبل أن يحين موعد صلاة الظهر.
لم يكن قد رأى الكعبة كاملة في أثناء مشيه نحو صحن المسجد. كلما كانا يقتربان من الصحن كلما كان الجزء الظاهر لهما من الكعبة يكبر، إلى أن وصلا للسلالم المؤدية للصحن... حينها رأى الكعبة كاملة... يا لعظمتها وبهائها.
رغم أنه رأى الكعبة مرات عديدة في الصور وفي التليفزيون من قبل، إلا أنه لم يتوقع أن تكون بهذا الحجم المهول، ولا توقع أن يغمره هذا الإحساس الجميل حين يراها رأي العين. منذ رآها وقع حبها في قلبه واستقر فيه... سمع كثيرا عن هذه المشاعر ممن سبقوه، لكنها المرة الأولى التي يشعر بنفسه بهذه المشاعر الجميلة الجديدة.. ظل حب الكعبة وشوقه لها ساكنا قلبه حتى هذه اللحظة، ويبدو أنه سيظل مغرما بها وملهوفا لزيارتها ما تبقي له من عمر في هذه الدنيا.

بدخولهما من باب الفتح كان عليهما أن يدورا نحو ثلثي شوط حول الكعبة ليبدءا أول أشواط طوافهما – طواف القدوم – من عند امتداد الحجر الأسود.
سارت زوجته أمامه ومد هو ذراعيه ليحوطها. استعانا بالله وسارا مع الطائفين إلى أن وصلا إلى نقطة البداية. ورغم أن الجزء المسقوف من المسجد لم يكن مزدحما في هذا الوقت، إلا أن الصحن المكشوف حول الكعبة كان مزدحما للغاية.. فكرا لوهلة أن يطوفا من أحد الدورين العلويين إلا أنهما قررا أن يظلا في الصحن ويأنسا بالقرب من الكعبة.

فتحت زوجته كتاب الدعاء وأعطته له. كانا قد اتفقا على أن يدعو هو جهرا بحيث تسمعه هي وتؤمن على دعائه بصوت منخفض. بدءا الطواف من عند امتداد الحجر الأسود.. كان هو يقرأ الأدعية من الكتاب وهي تؤمن، وكان بين الحين والآخر ينظر إلى الكعبة عن يسارهما ويختنق صوته من جلال الموقف.
حين بدءا الشوط الأول من الطواف كانا بعيدين عن الكعبة.. كانا في أقصى نقطة في محيط الصحن. إلا أن الله شاء لهما أن يقتربا من الكعبة كثيرا.. ففي أثناء الشوطين الأول والثاني كان يرى فجأة فجوة خالية من الطائفين إلى يسارهما – في اتجاه الكعبة – فيطلب من زوجته أن يدخلا هذه الفجوة، واستمر ذلك إلى أن وصلا بعد بداية الشوط الثالث إلى حائط الكعبة بعد باب الكعبة بقليل... سبحان الله وبحمده... كانا منذ قليل بعيدين عنها، وها هما الآن يلمسان جدار الكعبة، ثم جدار حجر إسماعيل. كان ضغط أجساد الحجيج هائلا بالقرب من الكعبة فكان يبذل مجهودا كبيرا لحماية زوجته وحماية نفسه من أن يُدهسا في الحائط.
حين اقتربا من الركن اليماني – وهو الركن الذي يسبق ركن الحجر الأسود مباشرة – بدأ الزحام يزداد، إلا أنهما بفضل الله وجدا منفذا.. لمست زوجته الركن اليماني أولا ثم لمسه هو. عندما انتهيا من لمس الركن اليماني، كان الضلع المتبقي من الكعبة – وهو الضلع الذي ينتهي بالحجر الأسود – مزدحما جدا بمن يريدون لمس الحجر الأسود. آثرا هما السلامة وابتعدا قليل عن الكعبة، إلا أنهما تمكنا عدة مرات من الاقتراب من الكعبة في الأشواط الباقية، إلا في هذا الضلع الواصل بين الركن اليماني والحجر الأسود.

كانت شمس الظهيرة ترتفع في وسط السماء مسرعة أثناء طوافهما.. كانا يشعران بالعطش الشديد.. بعد انتهاء الشوط السابع من الطواف ذهبا ليشربا من ماء زمزم سويا... تلك هي المرة الأولى التي يشرب فيها ماء زمزم في الحرم.. شربه في مصر قبل ذلك عدة مرات عندما كان يذهب لتهنئة أقاربه وأصدقائه العائدين من الأراضي المقدسة، كما شربه مساء أمس في الأوتوبيس من جدة إلى مكة، إلا أن طعم ماء زمزم مختلف هنا في الحرم.. مختلف قدر اختلاف شعوره الجديد جدا هنا في الحرم الشريف وأمام الكعبة المشرفة. شرب كثيرا.. روى كل جزء في جسمه، ثم صليا ركعتين في مواجهة مقام إبراهيم مستنين بالنبي صلى الله عليه وسلم.

كانا متعبين للغاية بعد الطواف. فهما لم يناما الليلة الماضية التي قضياها في الطيارة وفي المطار وفي الطريق إلى مكة.. كما أن الرحلة شاقة... فكرا أن يستريحا قليلا قبل أن يسعيا بين الصفا والمروة، إلا أن كلا منهما شجع الآخر أن يكملا مناسك العمرة ثم يذهبا للراحة في الفندق.
مشيا – ببطء – إلى بداية المسعى عند جبل الصفا ثم سعيا مع الساعين.. أثناء السعي كان هو يقرأ الأدعية من الكتيب وكانت هي تؤمن وراءه، وإن كان صوتهما قد خفت كثيرا نتيجة التعب الذي ألم بهما.
المسعى مسقوف في هذا الدور، لذلك كان السعي في الظل أيسر من الطواف في الشمس.
سعيا ثلاثة أشواط من الصفا إلى المروة إلى الصفا ثم إلى المروة، وفي بداية الشوط الرابع حان وقت صلاة الظهر، فكانت راحة إجبارية كانا في أمسِّ الحاجة إليها.

حين حان وقت الأذان انتابته مرة أخرى حالة عدم التصديق... أهذا هو أذان الحرم الذي طالما سمعه في الراديو وفي التليفزيون؟ يا لعظمة الله ولجليل نعمه... صليا الظهر وسط المصلين في مكانهما في المسعى، ثم استأنفا الأشواط الباقية لهما من السعي، إلى أن انتهيا من الشوط السابع عند جبل المروة. خرجا من باب المروة – الذي دخلا منه أول مرة – لكي يذهب هو إلى أحد الحلاقين خلف المروة ليقصر شعره تمهيدا للتحلل من إحرامه بعد انتهاء مناسك عمرة التمتع..
سارا منهكين إلى الحلاق.. قص شعره ثم مشيا سويا إلى موقف الأوتوبيسات بصعوبة...
وأخيرا... وصلا إلى الفندق.

اتفقا على النوم لبعض الوقت ثم اللقاء لتناول الغداء سويا في مطعم الفندق.
ذهب إلى غرفته.. وجد اثنين من رفاق الغرفة الأربعة نائمين بعد أن عادوا قبله من العمرة، وواحدا ما زال مستيقظا، والرابع لم يعد بعد من الحرم.

اغتسل سريعا ولبس ثيابه المخيطة – لأول مرة منذ أحرم في منزله في مصر – وخلد إلى نوم عميق، بنفس تملؤها مشاعر الرضا والامتنان والاطمئنان...

بداية الرحلة


بعد اللحظة الفاصلة كان عليه الانتهاء من تجهيز الأوراق الخاصة به وبرفيقة رحلته. انتهت هذه الإجراءات في وقتها الطبيعي ثم انتظر الجميع وصول جوازات السفر تحمل تأشيرة الدخول للملكة العربية السعودية.
في هذه الأثناء قام هو وزوجته بتدبير احتياجات السفر من ملابس وأدوية وكتب لشرح مناسك الحج، وغير ذلك مما يحتاجانه أثناء رحلة العمر.
وأخيرا وصلت جوازات السفر قبل الموعد المحدد للسفر بأيام قليلة تحمل التأشيرة ومعها تذاكر الطيران.

في يوم السفر اغتسل غسل الإحرام ونوى الإحرام بالعمرة متمتعا إلى الحج، وارتدى ملابس الإحرام لأول مرة في حياته.
إحساس جديد انتابه عندما ارتدى ملابس الإحرام. شعور بالبرد أول الأمر... استغراب لنوع الملابس ولعدم ارتدائه ملابس داخلية... ثم إحساس بأنه بالفعل مسافر للحج وليس في حلم غير واقعي... لبس الإحرام هو الدليل الملموس على بدء رحلة العمر.
عندما نزل إلى الشارع مرتديا ملابس الإحرام عاوده الشعور بالاستغراب، إلا أنه اعتاد نفسه في هذه الملابس بعد وقت قليل.

سافر هو من قبل كثيرا في مهمات عمل إلى دول عربية وأوروبية وآسيوية، إلا أن السفر هذه المرة له طابع خاص جدا. يظهر ذلك في كل شيء.. بدءا من صالة السفر المخصصة للحجاج. حجاج فقط. ليس هناك مسافرون آخرون. وأغلب الموجودين يرتدون بالفعل ملابس الإحرام. جو جميل مختلف عن كل ما مر به من أوقات في المطارات.

ابتسم عندما ناداه أحد الموظفين قائلا: "يا حاج". دائما ما كان ينادى عليه بلقب "أستاذ" أو "باشمهندس" عندما يقرأ الموظف بيانات الوظيفة في جواز السفر، إلا أنهم الآن ينادونه بهذا اللقب الجديد الأثير... "يا حاج"

تبعا للتعليمات، كان هو وزوجته في المطار قبل موعد السفر بثلاثة ساعات، وهي فترة طويلة بالطبع، إلا أنها مرت سريعة نسبيا.
في صالة السفر تعرف على مشرف مجموعته – الحاج عرفة، مع ما في الاسم من تطابق جميل مع الرحلة ومع منسك الوقوف بعرفة.
عندما ظهر اسمه في نتيجة القرعة هنأه زملاؤه الذين سبق لهم الحج من جهة عمله وبشروه بأنه محظوظ إذ سيحج بإشراف الحاج عرفة. باختصار، الحاج عرفة محترف ولكنه لم يتخلص من روح الهواة. كانت هذه الرحلة هي المرة الثامنة عشرة على التوالي التي يشرف فيها الحاج عرفة على مجموعة من الحجاج. يعمل مديرا عاما في مجلس الوزراء، إلا أنه هنا ينسى منصبه تماما ويتمتع للغاية بخدمة ضيوف الرحمن.
في أثناء الرحلة، كثيرا ما كان يرى بعض الحجاج يفقدون أعصابهم أو يبالغون في طلباتهم، وكان الحاج عرفة دائما طويل البال، يلبي الطلبات قدر الإمكان دون أن يخلو الموقف من روح الدعابة التي يتمتع بها.. كان بالفعل أخا لكل أعضاء المجموعة البالغ عددهم خمسين حاجا وحاجة.
وبما أن هذه هي الحجة الثامنة عشرة له مشرفا، فخبرته كبيرة جدا، تظهر في المواقف الصعبة وفي نصائحه القيمة قبل المناسك التي يسهل أن يضل الحاج فيها طريقه.
تعرف هو على الحاج عرفة في المطار، وتلقى منه بعض التعليمات الخاصة برحلة الطيران وبالإجراءات التي ستتم في مطار جدة إلى أن تستقل المجموعة الأوتوبيس الذي سوف يقلهم إلى مكة المكرمة.

بعد هذه التعليمات السريعة طلب الحاج عرفة من الحجاج البدء في التلبية..
إنها لحظة جديرة بالتأمل حين بدأ في التلبية مع الحجاج. إحساس جديد، ومأ أكثر الأحاسيس الجديدة في هذه الرحلة، حتى من قبل أن تبدأ!
إحساسه هذه المرة كان كمن وجد نفسه فجأة داخل مشهد اعتاد رؤيته دون أن يكون هو موجودا فيه.. مشهد التلبية النمطي المرتبط بالحج الذي كثيرا ما شاهده من قبل في التليفزيون. هل هو بالفعل يلبي الآن وسط هؤلاء الملبين؟؟
أن تكون داخل المشهد وخارجه في آن واحد... هذا ما كان يشعر به ويستغربه ويستعذبه في هذه اللحظات الجميلة.

أقلعت الطائرة في موعدها تقريبا ووصلت بالتالي مطار جدة في موعدها أيضا.
هناك بدأت قيمة تعليمات الحاج عرفة تظهر جلية. فهناك العديد من الحجاج الذين ضلوا طريقهم عم مجموعاتهم وفقدوا أمتعتهم، إلا أن ذلك لم يحدث إلا لحاج واحد فقط من مجموعة الحاج عرفة، حيث تأخر عن اللحاق بالمجموعة ولحق بهم في الفندق بعد قليل.
قبل السفر كان قد سمع وقرأ كثيرا أن تجربة السفر للحج عن طريق مطار جدة من أسوأ التجارب. فكما قيل له، يظل الحجاج عالقين في المطار لفترات طويلة قبل أن يتمكنوا من استقلال الأوتوبيس للتوجه إلى مكة. كما أن الخطوات – حسب ما قيل له – طويلة ومملة ويسهل الخطأ في أي منها وبالتالي تكون بداية الرحلة غير جيدة.
إلا أن شيئا من هذا لم يحدث له.
لم تطل فترة وجودهم في المطار بلا داعٍ.

لا يدري لماذا لم يشعر أبدا بأي ضيق أثناء وجوده في مطار جدة، رغم وجوده هناك لأربع ساعات ونصف تقريبا.
هل لذلك علاقة بخفض سقف توقعاته؟ فقد اعتاد منذ فترة ليست بالقليلة ألا يرفع سقف توقعاته من البشر أو من الأشياء، ومن ثم قلَّت للغاية الصدمات التي يتعرض لها. أم هي الفرحة التي تضفي على النفس طاقة أكبر لتحمل ما لا يمكن تحمله في الظروف العادية؟ أم هو النظر للجزء المملوء من الكوب والاستمتاع به لأفصى حد ممكن؟ أم هي كل هذه الأسباب مجتمعة؟
لا يدري السبب على وجه التحديد، إلا أنه كان سعيدا بكل التفاصيل. كان مبتسما أغلب الوقت. وحتى في اللحظات التي لم يكن وجهه فيها مبتسما فقد كانت روحه مبتسمة طوال الوقت. هكذا شعر، وهكذا رأى نفسه في هذه البداية – التي رآها جميلة – لرحلة العمر.

بعد انتهاء الإجراءات في مطار جدة، استقلا الأوتوبيس – هو ورفيقة دربه – مع المجموعة لبدء الرحلة إلى مكة المكرمة. بعد أن قضى أعضاء المجموعة وقتا طويلا نسبيا سويا، بدأت الألفة تسري بينهم. تعرف هو على بعض منهم أثناء وجودهم بمطار جدة وأيضا أثناء استقلالهم الأوتوبيس إلى مكة.

أثناء رحلتهم من جدة إلى مكة، راجع معهم الحاج عرفة ما سيفعلونه منذ وصولهم إلى الفندق، وكيفية الوصول إلى المسجد الحرام – المسجد الحرام! يا له من اسم له رهبة عندما سمعه لأول مرة وهو على بعد ساعة أو أكثر قليلا من الوصول إليه! مزيد من الأحاسيس التي تستعصى على الوصف... ومزيد من المشاهد التي شعر أنه يراقبها من الخارج وفوجئ بوجوده بين من هم بداخل هذه المشاهد.
انقضى وقت الرحلة من جدة إلى مكة بين تذكيرات هامة كررها عليهم الحاج عرفة، وبين التلبية التي بدأ يعتادها ويشعر بأنها جزء هام من هذه الرحلة البديعة.

كانت رؤيته للتلبية في الأوتوبيس مختلفة قليلا عنها في مطار القاهرة. فبعد أن كان يستغرب جهره بالتلبية في مطار القاهرة أصبح الجهر بها أمرا مألوفا له.. وفي المرات التي كان خياله يأخذه لبعض التأملات، أو حتى حينما كان يغلبه التعب، كان يفيق على صوت تلبية أحد الرفاق ويشعر أنه يذكره بوجوب التلبية.
ومع تكرار التلبية أثناء وجوده مع المجموعة في الأوتوبيس كان في بعض الأحيان يتأمل في مفردات التلبية ويستفيض في تأملاته فتنساب دموعه. كان كلما مر الوقت زاد إحساسه باصطفاء الله له ودعوته له ليكون من ضيوف الرحمن حجاج بيته الحرام. فالحج دعوة من الله كما سمع كثيرا قبل ذلك. وها هو منذ يوم إجراء القرعة يرى نفسه مدعوا من رب العالمين، وكلما تذكر هذا المعنى شعر بكرم الله المغدق عليه وعلى زوجته وحمد الله على ذلك كثيرا.

حينما دخل الأوتوبيس مكة كانت الشمس على وشك الشروق. كانت الشوارع مزدحمة بالمصلين العائدين لتوهم من صلاة الفجر. تلك هي المرة الأولى التي يلفت نظره فيها تعدد ألوان وأجناس الحجيج.
حوالي نصف الساعة أو أكثر قليلا قضاها الأوتوبيس في هذا الشارع المزدحم بالناس والباعة. أناس ذوو بشرة سمراء وآخرون ذوو بشرة فاتحة. أزياء مختلفة من كل بقاع الأرض.. ها هم بالفعل آتون من كل فج عميق تلبية لأذان سيدنا إبراهيم أبي الأنبياء عليه السلام. اقشعر بدنه لفكرة أن يكون هو بالفعل بين هؤلاء الآتين من كل فج عميق.. ها هو مشهد آخر مزدوج يراه من الخارج ويفاجأ – مفاجأة سارة – بوجوده داخله.

بعد فترة قصيرة كان النهار قد بدأ في أم القرى. وأثناء مرور الأوتوبيس في أحد الشوارع لمح من الشباك قمتي مئذنتين مهيبتين... يا الله! إنهما من مآذن الحرم المكي الشريف. كان الأوتوبيس يمر في أحد المنعطفات عندما لمح المئذنتين. لحظات قصيرة مرت قبل أن يواصل الأوتوبيس المسير وتختفي المئذنتان، إلا أن صورتهما ظلت ملء عينيه.. ظل يتابعهما بنظره، بل بجسمه كله أثناء تحرك الأوتوبيس. كان واقفا بينما كانت زوجته جالسة.. سألها إن كانت قد لمحت المئذنتين.. أجابته بالنفي.. انتابه إحساس أنه لم يرهما وأن ذلك كان من أحلام اليقظة. سأل أحد الركاب فأكد له أنهم بالفعل مروا لتوهم قريبا من الحرم. سمع الحاج عرفة جزءا من الحوار فابتسم وقال له: "ما تستعجلش على رزقك.. شوية ونوصل الفندق وبعدها تشبع من الحرم"...