Friday, December 2, 2011

عندما وُلِد من جديد


من السُّنَّة أن يبيت الحجيج في مِنى في يوم التروية – اليوم الثامن من ذي الحجة – تمهيدا لتوجههم إلى عرفات في اليوم التاسع لأداء ركن الحج الأعظم: الوقوف بعرفات.
كان عدد الحجاج في تلك السنة كبيرا جدا، فقد كانت السنة السابقة هي السنة التي انتشر فيها وباء إنفلونزا الخنازير مما أعاق كثيرا من الحجاج من العديد من الدول عن السفر، وقامت السلطات السعودية بقبول سفرهم هذا العام بالإضافة إلى العدد المعتاد من الحجاج.
لهذا السبب أخبرهم الحاج عرفة بأنه لن يمكنهم المبيت في مِنى في يوم التروية لأن ذلك من شأنه أن يمنع دخولهم عرفة قبل مغرب يوم التاسع، ومن ثم فقد يصيبون السنة ولا يستطيعون أن يأتوا بالفرض فتبطل حجتهم. لذلك كان القرار أن يذهبوا إلى مخيمهم في عرفة في يوم الثامن من ذي الحجة، مبكرين يوما عن باقي الحجيج.

في مساء يوم السابع من ذي الحجة مر عليهم الحاج عرفة في غرفهم في الفندق وأخبرهم بما هم بصدده في الأيام المقبلة. يوم التروية ويوم الوقوف بعرفة ويوم العيد وأيام التشريق، وكان هو يكتب ما يقوله الحاج عرفة من خطوات وتوقيتات وأرقام مخيمات وعلامات في الطريق تمنعهم من أن يضلوا طريقهم.
كان الحاج عرفة يقول ما يقوله بطلاقة شديدة، فهذه هي الحجة الثامنة عشرة له، إلا أنه هو كان متوترا.. كان يشعر بأنه على وشك الإقدام على خطوة عظيمة الشأن.. كل ما مر به منذ وصولهم إلى مكة شيء وما سيفعلونه في الأيام القليلة المقبلة شيء آخر تماما... هل يكون حجه مبرورا؟ هل يوفقهم الله لإتمام الشعائر على الوجه الأكمل؟ هل، وهل، وهل...
كان عقله وقلبه يتأرجحان بين الاستماع للتفاصيل وبين تأملاته وأمنياته.

في صباح يوم التروية ركبت المجموعة أوتوبيسا مخصصا لها استعدادا للتوجه إلى عرفات. الشارع اليوم مختلف.. الكل في حالة من الاستعداد للترحال... كل هؤلاء قادمون لله... يا له من مشهد مهيب، ويا له من مضيف كريم...

جلس في الأوتوبيس تاركا نفسه لتأملاته في هذه الأعداد الكبيرة... ملابس الإحرام تزين الجميع.. أصوات الملبين تملأ الشارع والأوتوبيس... ودموعه تنساب بلا تحكم منه..
المسافة إلى عرفات ليست بالكبيرة... حوالي 20 كيلو مترا، قطعها الأوتوبيس بسرعة لأن عدد الأفواج التي قرر مشرفوها التوجه إلى عرفات في يوم التروية ليس كبيرا.
وصلوا مخيمهم في عرفات قبل الظهر.. كان المعسكر مكونا من عدة مخيمات... كان يقيم في مخيم للرجال في منتصف المعسكر تقريبا بينما كانت زوجته تقيم في مخيم للنساء قريبا من المخيم الذي يقيم هو فيه.

اختار كل حاج مكانه في المخيم ووضع منامته وحقيبته... استراحوا قليلا ثم حان وقت صلاة الظهر... صلوا الظهر جماعة في المخيم ثم قرر هو أن يذهب إلى جبل الرحمة الذي لا يبعد كثيرا عن مخيمهم.
كانت شوارع وادي عرفات شبه فارغة.. علم فيما بعد أن حجاج مصر وتوس فقط – ويا لها من مفارقة ثورية! – هم من أتوا إلى عرفات في يوم التروية.

مشى إلى جبل الرحمة وصعد إلى قمته الخالية إلا من بعض الحجاج قليلي العدد... هذا الجبل الذي كان يظن مع كثير ممن يعرفهم أنه هو – وهو فقط – ما يسمى بجبل عرفات، وأن كل الحجيج يجب أن يقفوا عليه في يوم عرفات.. إلا أنه فوجئ أن الجبل يشغل حيزا صغيرا جدا من صعيد عرفات، وأن المكان أوسع كثيرا من الجبل، إلا أن البث التليفزيوني يركز على جبل الرحمة دون غيره من الأماكن فيعتقد المشاهدون أن الجبل هو كل عرفات.
صعد الجبل وشاهد عرفات من فوقه من كل الاتجاهات.. الشوارع شبه خالية والحجاج متناثرون هنا وهناك... مشهد نادر الحدوث في عرفات كما سيعرف هو غدا..
نزل من قمة الجبل وتمشى قليلا في الشوارع في طريق عودته إلى المخيم.

كان قد اتفق مع زوجته أن يقوما سويا بختم القرآن والدعاء في يوم التاسع، وكان عليه أن يقرأ وحده بعضا من القرآن إلى أن يقف عند بداية الجزء التاسع والعشرين ليقرآه سويا. جلس في المخيم يقرأ ما تبقى له، ثم قرر أن يراجع خطوات المناسك مرة أخرى.. كان قد حمَّل بعض الملفات الصوتية ووضعها على جهاز MP3 Player صغير. رقد في المخيم مستمعا لبعض هذه الملفات عن أعمال يوم عرفة والأيام التي تليه.. غلبه النعاس أثناء استماعه فنام بعض الوقت إلى أن حان موعد صلاة العصر.. صلى مع رفاقه في المخيم ثم استمع لأحد الحجاج يلقي كلمة جميلة عن فضل يوم عرفة وعما يجب على الحجيج فعله...
أصبحت أغلب الوجوه مألوفة له، إن لم يكن بحكم التجاور في الأيام الماضية منذ وصولهم مكة، فبحكم التواجد سويا في هذا المكان الخاص جدا، لأداء هذه الشعيرة الخاصة جدا.
لفت نظره كم الوجوه المبتسمة التي يلاقيها أينما نظر. يالطبع كانت هناك وجوه عابسة، إلا أن عدد الراضين المستبشرين المبشِّرين كان يفوق الآخرين، أو هكذا أراد هو أن يشعر.

قبل المغرب بأقل من ساعة قرر مع بعض زملائه صلاة المغرب في مسجد نمرة. لم يكن المسجد يبعد كثيرا عن مخيمهم... مشوا سويا إلى المسجد ووصلوه قبل المغرب بقليل. كان المسجد فارغا إلا من عد ضئيل جدا من المصلين، وهو أيضا مشهد يختلف تماما عن مشهد يوم غد إذ يمتلئ المسجد عن آخره بالحجيج في يوم عرفة.
صلوا المغرب هناك ثم التقوا بزوجاتهم خارج المسجد. جلسوا على سلالم المسجد وأخرجت زوجته من حقيبتها أحد كتب الدعاء وأعطته له. كان يقرأ الدعاء بصوت يسمعه الآخرون – زوجته والزملاء وزوجاتهم – ثم يؤمنون وراءه. كانت دقائق جميلة مليئة بالمشاعر الشفافة. فهم في عرفة، بعد غروب الشمس، لا يفصلهم عن أن يولدوا من جديد إلا يوم واحد... فبحلول غروب شمس اليوم التالي سيمسون بلا ذنوب... أنقياء كما ولدتهم أمهاتهم... يا له من شعور مهيب!
انتظروا حتى حان موعد صلاة العشاء وصلوا جماعة في ساحة المسجد ثم عادوا إلى المخيم لينالوا بعض الراحة استعدادا ليوم ميلادهم في الغد.

في يوم التاسع من ذي الحجة، استيقظ قبل الفجر وصلى الفجر جماعة مع زملاء المخيم... حاول أن ينام قليلا بعد الصلاة إلا أنه استيقظ على صوت زوجته تناديه من خارج المخيم... عرف منها أنها لم تنمْ نتيجة الزحام الشديد في مخيم السيدات.
كانت الشمس على وشك أن تشرق وكان الجو لطيفا.. جلس مع زوجته وبعض الزملاء بين المخيمات.. قرأوا سويا بعض سور القرآن ثم قام بعض الزملاء للراحة.
كان أغلب جيران المخيم قد استيقظوا وبدأ كثير منهم في التحدث سويا.. لم يشجعه جو المخيم على التركيز في قراءة القرآن والدعاء... أخذ مصحفه والمفكرة التي دوَّن فيها الأدعية التي يريد أن يدعو بها لنفسه ولأحبائه ثم قرر أن يخرج لعله يجد مكانا أكثر هدوءا يمكنه أن يجلس فيه.
كان واهما بلا شك! فشوارع عرفة اليوم تختلف تمام الاختلاف عن أمس.. زحام شديد لا يوصف... مشى إلى جبل الرحمة وسط الزحام.. عندما وصل عند الجبل وجد الزحام مهولا فوق الجبل وحوله من كل الاتجاهات.. متى جاء كل هؤلاء؟!
وقف قليلا يتأمل الوجوه والسلوكيات ثم قرر أن يعود من طريق مختلف لعله يجد مكانا هادئا يسعه، لكنه وجد نفس الزحام في كل مكان.

عاد إلى معسكره بعد أن مشى وسط عشرات الآلاف من الحجيج.. وجد الضجيج قد ازداد في المخيم بعد أن استيقظ الباقون.. خرج يمشي بين المخيمات إلى أن وجد مكانا صغيرا بين عدة مخيمات.. جلس وحده أخيرا... أخرج المفكرة وبدأ يدعو بما فتح الله عليه، ثم قرأ بعض القرآن إلى أن اقترب موعد صلاة الظهر... طلبته زوجته على المحمول ليقرآ سويا ما تبقى لهما من المصحف.. توجه إليها وجلس معها ومع بعض زميلاتها.. ختموا القرآن سويا ودعوا دعاء ختم القرآن إلى أن حان موعد أذان الظهر...

تبعا للسنة سوف يُصلُّون الظهر والعصر قصرا وجمع تقديم ثم يستمعون إلى خطبة يوم عرفة. كان ما وجده من زحامٍ صباح اليوم كفيلا بألا يفكر في الذهاب لمسجد نمرة للصلاة هناك... صلى في مخيم مجاور واستمع إلى خطبة عذبة ودعا مع الحجاج دعاء جميلا ثم عاد إلى مخيمه. هناك وجد بعض زملائه على وشك ختم القرآن... اشترك معهم في قراءة الصفحات الأخيرة من المصحف وفي الدعاء إلى أن اقتربت ساعة الصفر.. الساعة الرابعة عصرا...

كان الحاج عرفة قد وضع خطة مُحكمة للمجموعة للذهاب إلى الأوتوبيس مبكرين في الرابعة عصرا قبل موعد غروب الشمس بحوالي الساعتين. طمأنهم بأن الأوتوبيس لن يتحرك من مكانه قبل الغروب إذ يجب على الحجاج المكوث بعرفة إلى أن تغرب الشمس، إلا أنهم إذا انتظروا لوقت الغروب في المخيمات فسوف يكون من السهل أن يضل كثيرون من المجموعة – وبخاصة كبار السن – طريقهم إلى الأوتوبيس، ويُتركوا في عرفة إلى ما بعد منتصف الليل..
عرفوا فيما بعد أن هذه النصيحة في محلها تماما.

توجه هو وزوجته وبعض الزملاء إلى الأوتوبيس في الموعد المحدد. كان الحاج عرفة قد اتفق مع السائق أن يبقي تكييف الأوتوبيس مفتوحا لأنهم سيقضون به وقتا طويلا.. كان يجلس بجانب زوجته في الثلث الأمامي من الأوتوبيس.
وفي مشهد أصبح مألوفا له وللزملاء، أخرجت زوجته كتابا للدعاء من حقيبتها وأعطته له. بدأ يدعو بصوت منخفض لا يسمعه سواها وهي تؤمِّن وراءه.. كان إحساسهما بالدعاء مختلفا هذه المرة.. فالملائكة يشهدون الآن استعداد الحجيج لمغادرة عرفات... والله يباهي بهم ملائكته... إحساس عجيب يستعصي على الوصف.. أن يعلم أن الله يباهي به الآن الملائكة.. وأنه قد غفر له كل ذنوبه.. ما أروع هذا الشعور... يتجلى له الآن معنى الاصطفاء بشكل واضح جدا... فرغم أنه واحد من عدة ملايين في هذا المكان وفي هذا الموقف المهيب، إلا أنه يشعر بتكريم الله له ولزوجته أن جعلهما ممن يشهدون هذه اللحظة الفارقة في حياة كل منهما.
أخذ يدعو وزوجته تؤمن على دعائه.. فجأة سمع بعض الأصوات الأخرى في الأوتوبيس تردد "آمين" مع زوجته... لم يدرك أن عدد المؤمِّنين وراءه قد أخذ في الازدياد إلا الآن.. كان الأوتوبيس صامتا تماما إلا من صوته داعيا ثم من صوت الآخرين يؤمِّنون على دعائه.. شعر ببعض الارتباك.. ثم تمالك نفسه ورفع صوته قليلا بالدعاء، وبالتالي ارتفع صوت تأمين الرفاق على دعائه.. أثناء دعائه نظر من نافذة الأوتوبيس فوجد الشمس توشك أن تغرب... تملكته رهبة الموقف.. الآن تحين اللحظة الحاسمة.. الآن تُغسل ذنوبه وتتطهر روحه... إحساس مهول.. لم يتمالك نفسه في هذه اللحظة.. بكى بشدة... لم تمكنه دموعه من أن يقرأ الدعاء من الكتاب فتركه وبدأ يدعو بما يفتح الله به عليه... كان يسمع تأمين رفاقه في الأوتوبيس يشق الصمت ويكاد يرج الأوتوبيس.. دعا كثيرا... كان كلما شعر بالتعب وأوشك أن يتوقف عن الدعاء أدرك جلال اللحظة وخصوصيتها فاستمر في الدعاء... كان قد رفع صوته ليصل إلى باقي الزملاء في الأوتوبيس ولكي يتغلب على إحساسه بالخجل كونه في بؤرة الضوء في هذه اللحظات.
بعد فترة توقف عن الدعاء.. ساد الصمت كل الأوتوبيس لوهلة ثم ارتفعت بعض الأصوات تشكره وتدعو له بأن يفتح الله عليه... كاد يذوب خجلا عندما ناداه أحد الزملاء "إمام الدعاء"... كان زميله هذا مبالغا بلا شك، إلا أنه ظل يناديه بهذا اللقب إلى الآن بعد عام كامل من عودتهم من رحلة العمر.

لقد حُفِرت هذه الدقائق – القليلة عددا العظيمة قدرا ومعنى – في وجدانه حفرا.. لم يمر بمثل هذه المشاعر من قبل أبدا. فيضان من المشاعر المختلطة... فرحة عارمة... خجل شديد.. رضا لم يعهده من قبل...
انكمش في نفسه وانتابه شعور يقترب جدا من اليقين بأن الله قد قبِل حجته. لا يدري سببا لذلك إلا أنه كان ممتلئا بهذا الشعور الجميل.
جلس صامتا لفترة ثم بدأ يتمتم بالدعاء في سره.. دعا لكل من تذكرهم.. لوالده ووالدته.. لزوجته وبناته... لأخته وزوجها وأبنائها... لوالدي زوجته وأخويها وأختيها وعائلاتهم.. لأصدقائه القدامى والحاليين.. لزملائه في العمل... لأقاربه على اختلاف درجات قربه منهم... كان أحد الأشخاص يقفز فجأة يقفز من بين ثنايا ذاكرته إلى مقدمة المشهد فيدعو له بما يعينه الله عليه من الدعاء... وبين الحين والآخر كانت دموعه تنساب لتكمل تطهير روحه  وتكتب الحروف الأخيرة من شهادة ميلاده الجديدة... فبنهاية هذا اليوم الفارق قد أصبح حاجا فعلا لا مجازا... فالحج عرفة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.

بعد الغروب بدأ الأوتوبيس يتحرك وسط زحام شديد... طوال الطريق كان هو ورفاقه يرون عددا كبيرا من الحجاج يحملون أمتعتهم ويتلفتون يمينا ويسارا.. هؤلاء ممن ضلوا طريقهم في زحام النفرة من عرفات.. شعر لحظتها بكثير من الامتنان للحاج عرفة ولحنكته في اختيار توقيت التوجه للأوتوبيس مبكرين. أدت نصيحته الغالية تلك إلى وجود المجموعة بأكملها في الأوتوبيس دون أن يتخلف منهم أحد، كما كانت فرصة عظيمة للدعاء سويا في جو روحاني جميل بعيدا عن ضجيج الخيام وقلق أن يغادر الأوتوبيس بدون أحد من مجموعتهم.

سار الأوتوبيس ببطء وسط الزحام.. كان جميع من في الأوتوبيس يُلَبُّون... وصلوا إلى مزدلفة بعد فترة.. من السنة أن يصلوا المغرب والعشاء جمعا وقصرا في مزدلفة.. نزلوا من الأوتوبيس وتوضأ من كان يحتاج منهم إلى الوضوء.. حين توجهوا للصلاة دفع به الحاج عرفة ليؤم المجموعة في صلاتي المغرب والعشاء... يا له من تكريم لا يستحقه! حاول إثناء الحاج عرفة عن هذا الاختيار إلا أنه أصر على تقديمه للإمامة... صلى بالناس إماما ثم ذهبوا جميعا لجمع الحصى الذي سيستخدمونه في الرجم في الأيام المقبلة...

قضوا جزءا من الليل على الحدود بين مزدلفة ومنى، ثم توجهوا إلى منى لينتهي يوم مشهود سيظل عالقا في ذهنه بكل تفاصيله لوقت طويل... يوم أن وُلِدَ من جديد...